توبكُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: مجانًا استمتع بالحياة

في عالم يدفعنا باستمرار نحو الاستهلاك والشراء، ننسى أحيانًا أن أجمل لحظات الحياة لا تحمل بطاقة سعر. السعادة الحقيقية ليست سلعة تُباع في المتاجر، بل هي فن يمكن أن نتقنه دون أن ننفق جنيها واحدًا. دعونا نستكشف معًا كيف يمكننا أن نعيش حياة مليئة بالبهجة والرضا، مستلهمين من تجارب الشعوب حول العالم.
الصلاة: راحة القلب والنفس
قبل كل شيء، تأتي الصلاة كأعظم نعمة مجانية منحها الله لعباده. كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول لمؤذنه بلال رضي الله عنه: “أرحنا بها يا بلال”، وفي رواية “أقم الصلاة أرحنا بها”. لم يقل “أرحنا منها” بل “أرحنا بها”، ففي الصلاة راحة القلب وسكينة النفس وطمأنينة الروح.
الصلاة هي الملاذ المجاني المتاح خمس مرات يوميًا، حيث يقف العبد بين يدي خالقه، يناجيه ويشكو إليه همومه، يطلب منه العون والتوفيق. في لحظات السجود، حين يضع المسلم جبهته على الأرض، يشعر بقربٍ من الله لا يُوصف، وراحة نفسية لا تُشترى بالمال. هذه اللحظات الروحانية هي أثمن ما يملكه الإنسان، وهي متاحة للجميع دون تمييز بين غني وفقير.
في المساجد، يقف الناس صفًا واحدًا، الغني بجانب الفقير، المدير بجانب العامل، الجميع سواسية أمام الله. هذه المساواة والشعور بالانتماء لأمة واحدة يمنح القلب سلامًا وراحة لا تُقدر بثمن.
المشي: رحلة مجانية نحو السعادة
يُقال في الأمثال الشعبية “المشي بركة”، وهذه الحقيقة أدركتها الشعوب منذ القدم. في اليابان، يمارس الناس ما يُسمى “شينرين يوكو” أو الاستحمام في الغابات، حيث يمشون ببطء بين الأشجار، يستنشقون الهواء النقي ويستمعون لتغريد العصافير. هذه العادة البسيطة تخفض ضغط الدم وتحسن المزاج دون أي تكلفة.
في الدول الإسكندنافية، يؤمن الناس بمفهوم “فريلوفتسليف”، أي الحياة في الهواء الطلق. السويديون والنرويجيون يمشون في الطبيعة في كل الفصول، حتى في البرد القارس، لأنهم يعلمون أن الطبيعة هي أفضل معالج نفسي مجاني. المشي لمدة ثلاثين دقيقة يوميًا يكفي لتحسين صحتك الجسدية والنفسية، ولا يتطلب سوى زوج من الأحذية المريحة.
الموسيقى: لغة الروح العالمية
الموسيقى هي إحدى أعظم الهدايا المجانية التي تملأ الحياة بهجة وحيوية. في كل مكان حولنا، تعزف الطبيعة سيمفونيتها الخاصة: خرير الماء، حفيف الأوراق، زقزقة العصافير، وصوت المطر على النوافذ. هذه الموسيقى الطبيعية متاحة للجميع، تهدئ الأعصاب وتريح البال.
في أفريقيا، الموسيقى جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية. الناس يغنون أثناء العمل في الحقول، يصفقون ويرقصون في احتفالاتهم، لا يحتاجون إلى آلات باهظة الثمن، بل يصنعون الإيقاع بأيديهم وأقدامهم وأصواتهم. هذا الشغف بالموسيقى يحول الأعمال الروتينية إلى احتفالات مبهجة.
في أمريكا اللاتينية، تمتلئ الشوارع بموسيقى الشارع المجانية. الموسيقيون يعزفون في الساحات العامة، وفي محطات القطارات، مقدمين فنهم هدية للمارة. في كوبا، رغم الصعوبات الاقتصادية، تجد الموسيقى في كل زاوية، حيث يؤمن الناس أن الحياة بلا موسيقى لا تستحق أن تُعاش.
اليوم، أصبح الاستماع للموسيقى أسهل من أي وقت مضى. الإنترنت يقدم ملايين الأغاني والمقطوعات الموسيقية مجانًا، من موسيقى كلاسيكية تنقلك إلى عوالم راقية، إلى أغانٍ شعبية تربطك بتراثك وجذورك. يمكنك الاستماع إلى القرآن الكريم بصوت قارئك المفضل، أو الأناشيد الدينية التي ترفع الروح وتقربك من الله، أو حتى الموسيقى الهادئة التي تساعدك على التأمل والاسترخاء.
الغناء أيضًا لا يكلف شيئًا، وهو من أفضل وسائل التعبير عن المشاعر وتفريغ الضغوط النفسية. في البيت، أثناء الاستحمام، أو في السيارة، يمكنك أن تغني بصوت عالٍ دون أن تدفع فلسًا واحدًا. هذه اللحظات البسيطة تحرر الروح وتملأ القلب فرحًا.
الهوايات المجانية: كنوز في متناول اليد
القراءة تأتي في مقدمة الهوايات المجانية التي تثري العقل والروح. المكتبات العامة منتشرة في معظم المدن، وتقدم ملايين الكتب دون مقابل. في كوبا، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، يجتمع الناس في “البينالي الأدبي” لقراءة الشعر وتبادل الكتب، محولين الأدب إلى احتفال جماعي مجاني.
الكتابة أيضًا هواية لا تكلف شيئًا، سوى ورقة وقلم، أو حتى تطبيق مجاني على الهاتف. في الهند، يكتب الناس في “دفاتر الامتنان” يوميًا، مسجلين الأشياء الجميلة التي حدثت لهم، وهذه العادة البسيطة ثبت علميًا أنها تزيد السعادة بنسبة كبيرة.
الرسم والتلوين لم يعودا حكرًا على الفنانين المحترفين. في البرازيل، يرسم الشباب على جدران الأحياء الفقيرة، محولين الشوارع الرمادية إلى معارض فنية مفتوحة. كل ما تحتاجه هو بعض الألوان الرخيصة أو حتى قلم رصاص وورقة.
التأمل واليوغا: سلام داخلي بلا ثمن
في الهند، مهد اليوغا والتأمل، يمارس الملايين هذه الفنون يوميًا دون أن يدفعوا فلسًا واحدًا. يجلسون على ضفاف نهر الغانج أو في معابدهم، يتنفسون بعمق ويصفون أذهانهم. هذه الممارسات انتشرت في العالم كله، وأصبحت متاحة مجانًا عبر تطبيقات الهواتف ومقاطع الفيديو على الإنترنت.
التواصل الاجتماعي الحقيقي: ثروة لا تُقدر بثمن
في إيطاليا، يجتمع الناس في الساحات العامة كل مساء، يتحدثون ويضحكون ويتبادلون القصص. هذه “الباسيجياتا” أو نزهة المساء، تقليد قديم يذكرنا بأن التواصل البشري الحقيقي لا يحتاج إلى مطاعم فاخرة أو مقاهٍ باهظة.
في العالم العربي، نملك تقليد “السمر”، حيث يجتمع الأهل والأصدقاء على فنجان شاي بسيط، يتحدثون عن يومهم ويتشاركون الضحكات. هذه اللحظات البسيطة هي ما يبقى في الذاكرة، لا الوجبات الفاخرة أو الرحلات المكلفة.
التطوع: العطاء الذي يعود عليك بالسعادة
في كينيا، تقوم المجتمعات بما يُسمى “هارامبي”، وهو تقليد يجتمع فيه الجيران لمساعدة بعضهم في بناء منزل أو حصاد المحاصيل. هذا العمل الجماعي المجاني يقوي الروابط الاجتماعية ويعطي شعورًا عميقًا بالانتماء والرضا.
الدراسات العلمية تؤكد أن التطوع ومساعدة الآخرين يزيد من مستويات السعادة أكثر من إنفاق المال على النفس. يمكنك التطوع في جمعية خيرية، أو حتى مساعدة جار مسن، أو تعليم طفل القراءة مجانًا.
تقدير اللحظة الحاضرة: الكنز المفقود
في ثقافات جنوب شرق آسيا، يمارس الناس “الحضور الذهني”، أي التركيز الكامل على اللحظة الحاضرة. عند تناول الطعام، يتذوقونه بكل حواسهم. عند المشي، يشعرون بكل خطوة. هذا الوعي باللحظة الحالية يحول الأنشطة العادية إلى تجارب غنية ومشبعة.

الحياة السعيدة ليست تلك التي نملأها بالمشتريات والممتلكات، بل تلك التي نملأها بالتجارب الحقيقية والعلاقات الصادقة واللحظات البسيطة. نبدأ بالصلاة التي علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نجد فيها راحتنا وسعادتنا، ثم نضيف إليها المشي في الطبيعة، والاستماع للموسيقى التي تطرب الروح، وممارسة الهوايات البسيطة، والتواصل مع من نحب.
الشعوب حول العالم علمتنا أن السعادة الحقيقية موجودة في الأشياء البسيطة: الوقوف بين يدي الله في الصلاة، نزهة في الطبيعة مع أنغام العصافير، لحن جميل يداعب الروح، حديث مع صديق، كتاب جيد، أو لحظة تأمل هادئة.
المفارقة أن أغلى الأشياء في الحياة مجانية: الصلاة والقرب من الله، موسيقى الطبيعة وأغاني القلب، شروق الشمس، عناق من شخص نحبه، ضحكة طفل، نسمة هواء منعشة. كل ما نحتاجه هو أن نفتح أعيننا وآذاننا ونقدر هذه النعم المتاحة لنا جميعًا، بلا استثناء.
فلنبدأ اليوم، لنستمتع بالحياة مجانًا، ولنعلم أن السعادة ليست وجهة نصل إليها، بل طريقة نختار أن نعيش بها، وأن أول خطوة في هذا الطريق هي أن نقيم الصلاة ونجد فيها راحتنا، كما وجدها النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نملأ حياتنا بالألحان الجميلة والأنشطة البسيطة التي تمنحنا السعادة الحقيقية.

اقرأ أيضا

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: نزع الفتيل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى