د . هدى محمد عبد الرحمن تكتب: الخروج الآمن من كهف أفلاطون بأقل الخسائر النفسية
أغلب البشر لا يعانون لأن حياتهم صعبة، بل لأن أفكارهم عنها قاسية .. نعيش ونتألم ونظن أن الألم قادم من الناس أو الظروف، بينما الحقيقة المؤلمة أن جزءًا كبيرًا منه يولد داخل عقولنا، من الطريقة التي نفسر بها ما يحدث لنا. هنا يبدأ كهف أفلاطون، لا كفكرة فلسفية فقط، بل كواقع نفسي يومي.
الكهف هو أن ترى الحياة من زاوية واحدة، ثم تعتقد أنها الصورة الكاملة.. تحكم بسرعة، تحب بشروط، وتتعلق بتوقعات أعلى من طاقة البشر، ثم تتساءل: لماذا أتعب؟ لماذا أعاني؟ هذا ما يكتشفه كل من يواجه صدماته الواقعية.
المعاناة تبدأ حين تتحول الأفكار إلى سجن إنفرادي
نحن لا نعيش الأحداث كما هي، بل نعيش القصص التي نرويها لأنفسنا عنها.. كلمة عابرة تصبح إهانة، صمت بسيط يتحول رفضًا، فشل مؤقت يتحول دليلًا على انعدام القيمة.
هكذا تُصنع المعاناة الإنسانية: فكرة صغيرة لم تُراجع، كبرت حتى ابتلعت صاحبها.
الخطر ليس في التفكير، بل في التفكير غير المفحوص.. حين لا نتوقف لنفصل بين ما حدث فعلًا وما أضفناه عليه من خوف وتوقع وتعلّق، نصبح أسرى أنفسنا.
أول خطوة للخروج: رؤية الألم بصدق
الخروج الآمن لا يبدأ بالقوة، بل بالاعتراف. أن تقول: أنا متألم، دون أن تهاجم نفسك أو تبرر كل شيء. الكثير يهرب من الألم، والكثير يغرق فيه، لكن القليل فقط يقفون أمامه ويسألون: ماذا تريد أن تخبرني؟
حين تفعل ذلك، لم يعد الألم عدوًا، بل رسالة. وهنا يحدث أول انكسار لجدار الكهف.
من المحسوس إلى المعقول
حين تسأل نفسك: لماذا آلمني هذا؟ تبدأ الرحلة الحقيقية في البحث داخل الذات. تكتشف أنك لم تتألم لأن شخصًا خذلك فقط، بل لأنك توقعت منه ما لا يستطيع. ولم تنكسر لأنك فشلت، بل لأنك ربطت قيمتك بالنجاح.
هنا تتحرك من المحسوس (الشعور) إلى المعقول (الفكرة)، من رد الفعل إلى الفهم. الفلسفة هنا ليست ترفًا، بل علاج، لأنها تعلمك أن تغيّر زاوية الرؤية بدل أن تكسر نفسك.
الحق المؤلم… لكنه المنقذ
الحقيقة التي يهرب منها كثيرون: البشر ناقصون، الحياة لا تسير كما نريد، والسيطرة وهم مريح لكنه مكلف.
قبول هذه الحقائق لا يجعلك ضعيفًا، بل أخف حملًا. حين تفهم أن ليس كل ما تفكر به صحيحًا، ولا كل ما تشعر به حقيقة، تتراجع قسوة الداخل، وتبدأ بالخروج من الكهف دون صراع عنيف مع نفسك أو العالم.
الخروج لا يعني القسوة أو الانسحاب من الحياة
بعض الناس حين يفهمون يتحولون إلى قضاة، يحتقرون المشاعر، يسخرون من المعاناة، ويتحدثون ببرود عن الحكمة. هذا ليس خروجًا، بل كهف جديد.
الخروج السليم يعني أن تبقى إنسانًا: تشعر دون أن تُستعبد، تحب دون أن تتلاشى، تفهم دون أن تتعالى. أن تعيش وسط الناس دون أن تجعلهم مصدر قيمتك أو ألمك.
أقل الخسائر تبدأ بتقليل التعلّق
أغلب خسائرنا النفسية ليست بسبب الفقد، بل بسبب التعلّق المفرط قبل الفقد. حين نخفف توقعاتنا، نضع حدودًا صحية، ونعرف أن الأشياء لا تكتمل، نصدم أقل ونشفى أسرع.
هذه ليست تشاؤمًا، بل واقعية رحيمة تحمي القلب دون أن تغلقه.
الله .. مركز الاتزان الأخير
حين يضيع المعنى، ويكثر الضجيج، ويثقل الداخل، يكون الله هو النقطة الثابتة. ليس مجرد فكرة تهدئة، بل مرجع يعيد ترتيب الأولويات.
حين يكون رضا الله هو البوصلة، تخف هيمنة الناس، وتضعف سطوة النتائج، ويهدأ القلق. فتخرج من الكهف مطمئنًا، ليس لأن الحياة أسهل، بل لأنك صرت أصدق مع نفسك.
وعليه, فإن …
الخروج من كهف أفلاطون ليس قفزة واحدة، بل وعي متكرر. كل مرة تراجع فيها فكرة، تخفف تعلّقًا، وتختار الفهم بدل الانفعال، تخرج خطوة.
الخروج الآمن هو أن تصل إلى الحقيقة دون أن تكسر قلبك، وأن تفهم الحياة دون أن تفقد إنسانيتك. وترك التعلق بالزائل يمنحك طمأنينة وقبولًا وتسليمًا واعيًا، لا استسلامًا مهزومًا.
هنا فقط، تصبح الفلسفة فعل نجاة ذاتي، لا مجرد كلام نظري…
اقرأ أيضا
د . هدى محمد عبد الرحمن تكتب: هل تستطيع الفلسفة فعلاً أن تشفي؟ رحلة البحث عن النفس والتعافي الداخلي




