توبكُتّاب وآراء

شريف جبر يكتب لـ «30 يوم» : التوازن البيئي.. أمانة واستخلاف

﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
في ظل ما نشهده من دعوات وحملات تستهدف القضاء على حيوانات الشوارع، خاصة الكلاب والقطط، يفرض الواجب الأخلاقي والديني والعلمي أن نعيد تصويب البوصلة، وأن نُميّز بين الخوف المشروع والذعر المصنوع، وبين الحل الحضاري والعقاب الجماعي الأعمى.
أولًا: الكلاب المصرية… سلالات وهوية لا “كلب بلدي” فقط
يطلق مصطلح “كلب بلدي” فقط لأنه يعيش في البلد، لا لأنه بلا أصل.
فالكلب المصري هو امتداد طبيعي وهجين ذكي لعدة سلالات تاريخية ووظيفية، منها:
الكلب الفرعوني (Tesem) الذي خلدته النقوش القديمة.
السلوقي: كلب الصيد السريع في البيئات الصحراوية.
الباسنجي: من أقدم سلالات العالم وأكثرها ذكاءً.
الأرمنت: كلب الحراسة والرعي.
الإيبيزيان والجريهاوند: سلالات السرعة والتحمل.
إضافة إلى كلاب الرعي، والحراسة، والصيد، وكلها سلالات طبيعية قوية المناعة، عالية الإدراك، وقابلة للتعايش السلمي مع الإنسان.
أما القطط، فهي رفيقة الحضارة المصرية منذ آلاف السنين، وحارسة البيوت وصوامع الغلال.
ثانيًا: حراس التوازن البيئي الصامتون
خلق الله الكلاب والقطط لتأدية دور دقيق في منظومة الحياة:
الكلاب تمنع تسلل الحيوانات البرية المفترسة والزواحف (كالذئاب، الثعالب، السلعوة، الثعابين)، خصوصًا في دولة ذات ظهير صحراوي واسع.
القطط هي خط الدفاع الأول ضد القوارض والحشرات والزواحف الصغيرة.
غيابهما لا يعني الأمان، بل انفجارًا بيئيًا يهدد البيوت والمخازن والمزارع والمصانع.
ثالثًا: خطر الإبادة والفراغ البيئي
التخلص من هذه الحيوانات يؤدي علميًا إلى “الفراغ البيئي”، فتحتل المكان أنواع أكثر شراسة أو ناقلة للأمراض، مع زيادة القوارض، وانتشار الذباب والبعوض، وارتفاع معدلات العدوى والأوبئة.
رابعًا: كيف نتعامل؟ (رسائل توعوية للمجتمع)
لا تجرِ أمام الكلاب:وهدى من سرعتك بالدراجة او الموتسيكل او السيارة الجري يُفسَّر غريزيًا كتهديد.
لا تؤذِ ولا تعتدِ: العنف يصنع الخطر ولا يمنعه.
كسرة خبز وعلبة ماء كفيلة بتحويل الخوف إلى ألفة.
الحيوان المُطعَم والمُطمئن أكثر هدوءًا وأمانًا، وقد يصبح صديقًا وحارسًا لأطفالك ومحيطك.
خامسًا: حلول حضارية وتشريعية
تفعيل وتغليظ قانون حماية الحيوان.
تطبيق استراتيجية TNVR (إمساك – تعقيم بنسب معينة حتى لاينقرض النوع ويفنى – تطعيم – إعادة)، الحل العالمي المعتمد.
تنظيم مسؤوليات الأحياء والمجتمع المدني في الرعاية والمتابعة.
سادسًا: تكريم الكلب في القرآن الكريم
لم يكن ذكر الكلب في القرآن عرضيًا، بل جاء في أربع آيات صريحة تؤكد مكانته ووظيفته:
سورة الكهف (18):
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ … وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾
سورة الكهف (22):
﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ … وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾
سورة الأعراف (176):
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾
سورة المائدة:
﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ … فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾
الخلاصة
الرفق بالحيوان ليس شعارًا عاطفيًا، بل وعي وطني وأمن صحي وبيئي.
تكلفة الرحمة اليوم أقل بكثير من تكلفة الفوضى غدًا.
فلنحافظ على بيئتنا، ولنُعلّم أبناءنا أن الرحمة قوة…
فالرحمة لا تتجزأ، ومن يزرع الأمان، يحصد الأمان
عبارة “إِنَّهُمْ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ” من سورة الأنعام في القرآن الكريم، تعني أن جميع الكائنات الحية (الدواب والطير) هي جماعات أو طوائف مثل بني آدم، تشترك معهم في الخلق والتكفل بالرزق، وتُحشر إلى الله يوم القيامة، ما يؤكد على وحدة الخلق والتذكير بالعدل الإلهي والرفق بهذه الكائنات وعدم التكبر عليها، مع التنويه أن المماثلة ليست في التفكير بل في الخصائص الفطرية كالحياة والموت.

اقرأ أيضا

شريف جبر يكتب لـ «30 يوم» :الارتباط الوثيق بين تلوث البيئة والاحتباس الحراري وتغير المناخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى