د. محمد المنشاوي يكتب لـ « 30 يوم »: الدولة الوطنية فى « وثيقة المدينة »..!!
جاءت “وثيقة المدينة ” التى وضعها النبى صلى الله عليه وسلم لمجتمع المدينة كأول تشريع مكتوب عرفته البشرية يكفل للجميع من سكانها (مسلمون ونصارى ويهود) حق المواطنة داخل الدولة الوطنية الوليدة ..
لتشكل هذه الوثيقة المحمدية العباءة التى يلتحف بها أفراد المجتمع على إختلاف ألوانهم وعقائدهم داخل الكيان الجيوسياسى الواحد ..
حيث تقوم العلاقة بين مكونات هذا الكيان للدولة الوطنية على أساس ما يسمى ب”عقد مواطنة” يرتب حقوق للفرد فى قيم المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة والأمن والحريات وترتب على الفرد واجبات تجاه الدولة وتجاه غيره من المواطنين بما يحفظ فى النهاية أمنها ضد المتربصين والمتنمرين من داخلها وخارجها ..
وليثبت النبي صلى الله عليه وسلم للجميع أن ثقافة الإنتماء الوطنى وحبَ الوطن سُنةٌ محمدية ، يتعين الإلتزام بها والحفاظ عليها والعمل من أجلها ، لإذكاء روح الدفاع عنه ورفع إسمه ومناصرة قضاياه ..
وليؤكد بالتالى حقيقة مفادها : أن الدفاع عن الاوطان ضد الأعداء والمتنمرين والخونة ، يبدأ من داخلها بكفالة حق المواطنة داخل الدولة الوطنية الواحدة ..
وتجسيدًا لهذه الثقافة الوطنية والإنتماء الوطني ، وتأكيداً لحق المواطنة والحفاظ على الدولة الوطنية ، وضع النبى صلى الله عليه هذه الوثيقة الشهيرة فى السنة الأولى من الهجرة ، لتكون أول دستور تشريعي مكتوب تعرفه البشرية فى ذلك الوقت ..
ولتثبت كلماته صلى الله عليه وسلم بشأن قيمة الوطن ، كذِب وزيف أقوال قادة الجماعة الإرهابية عن الوطن مصر .. تلك الشعارات التى روجوا لها بأقوالٍ مغلوطةٍ مثل : ما الوطن إلى حفنة من تراب ، وغيرها من الشعارات المماثلة التى أربأ عن ترديدها ..
فرغم كَونهم مسلمين ، عارض قادة وزعماء هذه الجماعة بنهجهم ومسلكهم الخبيث فى السيطرة على الدولة ، دعوته صلى الله عليه وسلم لحب الوطن والأوطان والحفاظ على الدولة الوطنية وحُرمة التآمر على الوطن ..
لقد جاءت “وثيقة المدينة ” التى تعتبر أول دستور تشريعي تعرفه البشرية ، لتحقق مبدأ المواطنة لجميع السكان مهما إختلفت عقائدهم من مسلمين ونصارى ويهود ، ولتحدد لهم الواجبات وتضمن لهم الحقوق ، داخل حدود الدولة الوطنية الواحدة..
ولشمولية “وثيقة المدينة ” فى الحفاظ على حق المواطنة وحماية حقوق الانسان ، ظلت مرجعًا رئيسيًا لعلماء القانون الدولى والمنظمات الحقوقية الدولية المنادية بالدفاع عن حقوق الإنسان حتى يومنا هذا ..
وفى ظل ما تشهده المنطقة العربية من تقلبات وتموجات ومطامع ، بل وما يشهده عالمنا العربى من حروب وصراعات داخلية وخارجية ، تظهر أهمية وضرورة الدولة الوطنية فى بلداننا العربية ، وهي الغاية التى عملت من أجلها قيادتنا الرشيدة ..
وحيال هذه التحديات الكبيرة وغيرها ، فنحن فى مصرنا الحبيبة أحوج ما نكون إلى التمسك بهذه السُنة المحمدية حفاظًا على وحدة الشعب بمختلف أطيافه سياسيًا وإجتماعياً وعقائديًا لمجابهة أعداء الوطن داخليًا وخارجيًا ، فالدفاع عن الأوطان يبدأ من داخله ..
فلا يخفى على أحد ، حجم ما تتعرض له مصر من مخاطر تتربص بها من جميع الجهات ، للنيل من قوتها وتماسكها وعصيانها على الإنكسار الذى طال غيرها من الدول ، بفضل الله ثم بصلابة وقوة جيشها المصرى العظيم ، ليس فى وقتنا الحاضر فقط ، بل وعلى مر العصور ..
وإلا ما قال صلى الله عليه وسلم عن هذا الجيش ، فى الحديث الشريف الذى رواه الحاكم فى المستدرك والطبرانى فى معجمه الكبير والبيهقى فى شِعب الإيمان عن إبن عباس : إذا فتح الله عليكم مصر بعدى ، فإتخذوا فيها جنداً كثيفًا ، فذلك الجند خير أجناد الأرض ، فقال أبو بكر الصديق ولِما يا رسول الله ؟ قال : لأنها فى رباط إلى يوم القيامة ” ..
فدلت كلماته صلى الله عليه وسلم بشأن مصر وجندها على أمرين ؛ أولهما : ديمومية وإستمرار الطامعين فى هذا البلد الأمين من الأعداء والمتربصين على مر السنين داخليًا وخارجيًا ، وهذا قدرها ..
ثانيًا : خيرية جيشها العظيم بين جيوش العالم ، بفضل تمرسه على مر التاريخ على كسر الطغاه الذين تجرأوا على المساس بمصر وشعبها ..
وظل هذا الجيش المصرى على مر التاريخ حائط سدٍ منيع دفاعاً عن وطنه وعالمه العربى أمام جحافل الغزاة والطغاة فى كل زمان ..
وخيرية هذا الجيش المصرى تكمن أيضًا فى أن طبيعة تكوينه من نسيج أُسر وعوائل الشعب ، وهو ما جعله يتشبع بقدسية رسالته فى الدفاع عن أهله ووطنه وعقيدته وشرف الشهادة فى الذود عنهم ، وتشبعه بثقافة أن من قتل دون وطنه فهو شهيد ، عملًا بقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى رواه سعيد بن زيد وأخرجه الترمزى : من قُتل دون ماله فهو شهيد ومن قُتل دون دمه فهو شهيد ومن قُتل دون دينه فهو شهيد ومن قُتل دون أهله فهو شهيد ” ..
فحب الوطن ومتانة الإنتماء الوطنى ، والحفاظ على الدولة الوطنية ، هى ثقافة تجذرت فى عروق هذا الشعب ، لتتأصل فى نسيج قادته وأبناء جيشه ، تأسيًا بسنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم..
( كاتب المقال د. محمد المنشاوي سياسي وأديب ، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الاوسط للشؤون الدولية والتعاون الدولي ، وكبير محرري شئون رئاسة الجمهورية سابقًا ، والحائز على جائزة “ملهم الدولية – وشخصية العام لسنة ٢٠٢٤ ” فى مجال الإعلام الهادف والتثقيف السياسي ” من منتدى رواد الأعمال العرب)
اقرأ أيضا
د. محمد المنشاوي يكتب لـ « 30 يوم »: رحلة جبران الخاطر ..!!




