توبمنوعات

كيف حسم رفعت المحجوب أزمة طرد زوجات عبد الناصر والسادات من منازلهن؟

في واحدة من أخطر وأغرب الوقائع التي شهدها مجلس الشعب المصري في ثمانينيات القرن الماضي، كادت زوجات رؤساء مصر الراحلين أن يواجهن قرارًا صادمًا بطردهن من منازلهن المملوكة للدولة، لولا تدخل حاسم من الدكتور رفعت المحجوب، رئيس مجلس الشعب آنذاك، الذي اعتبر الأمر «خطًا أحمر» يمس كرامة الدولة قبل أي اعتبار سياسي أو مالي.

تحالف غير مسبوق داخل البرلمان

في جلسة صباحية لمجلس الشعب عام 1987، تقدم عدد من النواب، يتزعمهم النائب الوفدي علوي حافظ، وبمشاركة لافتة من بعض نواب الحزب الوطني الديمقراطي (حزب الأغلبية حينها)، بطلب لفتح باب المناقشة حول التصرف في منازل رؤساء الجمهورية السابقين.

المقترح تضمن نقل السيدة تحية عبد الناصر، حرم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، والسيدة جيهان السادات، حرم الرئيس الراحل محمد أنور السادات، إلى شقق أصغر على نفقة الدولة، تمهيدًا للاستفادة من هذه المنازل باعتبارها «أصولًا عامة» يمكن بيعها أو تحويلها إلى منافع عامة.

قرار غير أخلاقي

بحسب ما ورد في مذكرات رفعت المحجوب، فقد رأى في هذا التحرك اتفاقًا مريبًا يجمع بين نزعة انتقامية لدى بعض أطراف المعارضة، ومصالح مالية وسماسرة محتملين من داخل الحزب الحاكم، مدفوعين برجال أعمال يسعون للاستفادة من هذه الأصول.

ووصف المحجوب المقترح صراحة بأنه غير أخلاقي، ويضرب أحد ثوابت الدولة المصرية، معتبرًا أن الأمر لا يتعلق بعقار أو مال عام، بل بمبدأ سياسي وأخلاقي راسخ.

وقبل بدء التصويت على فتح باب المناقشة، طلب رفعت المحجوب رفع الجلسة بشكل مفاجئ، على أن تُستكمل في الجلسة المسائية، في توقيت غير معتاد، الأمر الذي أثار تساؤلات داخل القاعة.

لكن ما لم يكن يعلمه أغلب النواب، أن رئيس المجلس غادر فورًا إلى رئاسة الجمهورية، حاملاً معه ملفات الجلسة، دون المرور على مكتبه، في خطوة تعكس حجم خطورة الموقف.

لقاء عاجل مع الرئيس مبارك

في طريقه، تواصل المحجوب مع الدكتور أسامة الباز لمعرفة مكان الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، وأصر على مقابلته شخصيًا داخل ملاعب القوات المسلحة بمصر الجديدة، مؤكدًا أن الموضوع «لا يحتمل التأجيل أو الوساطة».

وعقب انتهاء الرئيس من ممارسة الرياضة، دخل المحجوب اللقاء مباشرة، وبدأ حديثه بجملة لافتة: «هل تسمح سيادتكم أن يُهان المرء في داره، أو أن يُؤكل لحم أخيه ميتًا، وأنت رئيس الجمهورية؟»

مسودة قرار تُكتب بقلم رصاص

في مشهد بالغ الدلالة، أخرج رفعت المحجوب مسودة قرار جمهوري كان قد كتبها بيده داخل السيارة، طالبًا توقيع الرئيس عليها، وتنص على احتفاظ زوجات رؤساء مصر بمنازلهن مدى الحياة.

الرئيس مبارك، بحسب الرواية، استغرب الأمر، مؤكدًا أن هذا المبدأ لم يكن محل خلاف من الأساس، لكنه اطلع على الأوراق ووافق فورًا، وطلب عدم استكمال مناقشة الموضوع داخل البرلمان.

قرار جمهوري صارم

في اليوم التالي، صدر قرار جمهوري يقضي باحتفاظ زوجات رؤساء مصر السابقين بمنازلهن حتى وفاتهن، على أن يسري القرار على الماضي والحاضر والمستقبل، ليغلق بذلك واحدًا من أكثر الملفات حساسية في تاريخ البرلمان المصري.

رسائل شكر وتقدير

وفي وقت لاحق، بعثت كل من تحية عبد الناصر وجيهان السادات برسائل شكر إلى الرئيس مبارك، وأخرى إلى رفعت المحجوب، تقديرًا لموقفه الذي حفظ كرامتهن وكرامة الدولة المصرية.

درس في أخلاقيات الحكم

تكشف هذه الواقعة، كما وردت في مذكرات رفعت المحجوب، عن لحظة نادرة انتصر فيها الضمير السياسي على الحسابات الضيقة، ورسخت مبدأ أن رموز الدولة – حتى بعد رحيلهم – يظلون محاطين بالاحترام، وأن بيوت الرؤساء ليست مجرد أصول.. بل جزء من هيبة الدولة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى