توبكُتّاب وآراء

الإعلامي العراقي حسين الذكر يكتب لـ «30 يوم»: الخبز في العقل البدوي!

بعد عقود من رحيل أبي رحمه الله .. ما زلت أرفع أي قطعة عيش” كسرة خبز” ممكن تراها عيني مرمية على الأرض مهما صغرت فلا يمكن أن أتجاوز قدسية ( العيش ) المترسخة في أعماقي وفقا لنصائح وسلوكيات بيئية … ( الرغيف ) ليس مجرد وسيلة لمواصلة الحياة بل هو بمثابة رمز لدوام النعمة .. هكذا سمعتها مرارًا من كبار من عاشرتهم – في أقل تقدير – بالطفولة والصبا ..

منذ عصف الأزمنة القاحطة حيث كانت الأمهات تضطر إلى وضع قليل مسحوق الحنطة مع ( بيض الدجاج المعمول للإفطار صباحا ) كي يكبر ويكفينا حتى مع بيضة واحدة تسد رمق عدد من الأطفال المجتمعين على مائدة ترتسم عذرية العشق الأسري والانتماء الفطري وتكرس في كثير من ابجدياتها القناعة حد الاطمئنان ..

نعم مررنا خلال تقلبات الشطحات السياسية والحروب بأزمات خانقة بلغ سعر الكغم طحين – الذي لا يكفي لإطعام الأسرة – بآلاف الدنانير بصورة تعبر عن سوء الوضع الاقتصادي الخانق الذي تمر به البلاد .. وأغلب مهتلكات الأمم تعانيها الشعوب سيما الطبقات الفقيرة التي تعتاش على رمزية الخبز قبل غيرها من ترفيات المائدة العربية التي تبقى مهما تعددت وتبذرت وقولبة غير مكتملة إن لم يزينها ويعززها رغيف الخبز وما تشكله تلك الأرغفة المرسومة في البال بأغلب الانتفاضات تاريخيا إذ أن الفوارق الاقتصادية كانت سببا رئيسيا لاكثر الثورات الحقيقية – وليس المصطنعة – فالناس أغلبهم لا يعبأون بالسلطة وأدواتها ومعتقداتها إذا ما شبعوا من الخبز .

كنت اشتري بعض الأرغفة من مخبز ( البركة ) في منطقتنا .. الذي أغلقه صاحبه لأسباب تتعلق بقلة الزبائن .. ليات خباز جديد صرف أكثر على ديكور المخبز وغير اسمه الى (النور) فعانى الفشل وفتحه ثالث بعنوان (الرسالة) وظل يفتح ويغلق بذات الطريقة التي تكررت لسنوات خلت .. لم يبق اسم إلا واستخدم لكن المصير واحد والفشل حاضر والخسائر مستمرة ..

تحدثت إلى بعض أصحاب المخابز فوجدت اغلبهم متشائمين من الديكور أو الاسم ويغيرونهما بشكل دائم .. دون ان يدرسوا أحوال البيئة والمنطقة والسكان ورغابتهم والتطورات الحضارية وتاثيرها على المواطن ومزاجه ورغباته العامة التي يعد جزء أساس منها الأكل وطريقة تناوله ونوع الأكلات وغير ذلك مما ارتبط به فقد كانوا قبل العولمة ينامون مبكرا ويخرجون لعمل يمتد ساعات طويلة لا لشيء الا لسد رمقهم من الخبز في دلالة على طول طوابير الواقفين لشراء الخبز انذاك اذ لم اجد في طفولتي حتى وقت متاخر مخبزا واحدا دون أن يكون هناك طوابير للحصول على مبتغاهم من قرص ( العيش )  كما يسمى ببعض الدول العربية .

اليوم تغيرت الأحوال الاجتماعية والنظرة للحياة ومتطلباتها وآليات عيشها.. فقد غدا التواصل على النت والسهر هدفا وامتاع … فيما الكثير من ربات البيوت اما موظفات او عاملات او مؤدلجة ترى اعداد الطعام من التوافه الوضيعة لذا يلجئن للوجبات السريعة الجاهزة بواسطة ( الدلفري )… غير ذلك الكثير مما لم يعد يشغل بال المواطن انذاك ..

اتذكر فيما اتذكره من سالف طفولة يحبها المستذكرون عادة هي الاجمل لما تحويه من ذكريات بيضاء حد الرسوخ .. ان امي رحمها كانت تخبز باكرا في تنور طين عملته بيديها الكريمة في حديقتنا .. لكنها لم تكن في يوم من الايام تخبز على قدر حاجة الاسرة اليومية .. اذ تخبز – بلا مبالغة – اضعاف ما نحتاج وعند الانتهاء تنادي علي وبعض اخوتي وتسلمنا عدد من الأرغفة الحارة وتبدا تعدد : هذه لبيت جارنا فلان .. وتلك لبيت فلان ثم فلان .. وبعد انتهاء حفل التوزيع نبدا بالافطار خبزا حارا لا نكترث ( لغموسه ) كان لبنا او حليبا أو مجرد ماء حار.

في المدن الفقيرة حد البؤس وما أكثرها في بلادنا العربية .. عادة ما تنتشر بشكل كثيف بأرقام مهولة –  أكثر مما تستعدي الضرورة أو ما يتناسب مع الاحصاءات الديمغرافية – المطاعم والكازينوهات والكوفيات ودور العبادة .. فيما تختفي منتديات الثقافة والفكر وحلقات الدرس .. بما يعد مؤشر على طبيعة ازمة ( العيش ) التي تعانيها الامة .. التي ستبقى على هذا المنوال شغلها الشاغل الاول والأخير بكيفة توفر لقمة العيش دون الخوض بما يجري في البيئة من تغيرات حضارية تستحق التذكير والتفكير .. كي تتغير معها حتمية معالم أزمة أو ثورة الخبز ..  !

 اقرأ أيضا

الإعلامي العراقي حسين الذكر يكتب لـ «30 يوم»: في تتويج أفريقيا حكم يطلق الرصاص .. دياز سياسي حكيم  .. وثياو مدرب اصطاد بالفتنة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى