الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: أعمار الناس
نحن لا نعيش عمرًا واحدًا كما يظن البعض، بل نعيش أعمارًا متعددة تسكن جسدًا واحدًا، تتقاطع أحيانًا وتتباعد أحيانًا أخرى، لتشكل لوحة معقدة من الوجود الإنساني.
هناك العمر البيولوجي، ذلك الرقم الذي نحتفل به كل عام، الذي يسجل في وثائقنا الرسمية، ويحسب بدقة الساعات والأيام. لكن حتى هذا العمر البسيط ليس واحدًا! فعمرك بالتاريخ الهجري يختلف عن عمرك بالتاريخ الميلادي، فالسنة الهجرية أقصر بأحد عشر يومًا تقريبًا، مما يعني أنك بالحساب الهجري أكبر سنًا منك بالحساب الميلادي. أليس غريبًا أن يتغير عمرك بمجرد تغيير التقويم؟ هذا وحده يكفي ليخبرنا أن العمر ليس سوى اتفاق على طريقة للقياس، وليس حقيقة مطلقة.
العمر البيولوجي، إذن، ليس سوى قشرة خارجية لحقيقة أعمق بكثير. فكم من إنسان تجاوز السبعين وما زالت خلاياه تنبض بحيوية الشباب، وكم من شاب في الثلاثين أنهكته الحياة فبدا كأنه عبر نصف قرن من الزمان.
ثم يأتي العمر العقلي، ذلك الكيان المستقل الذي قد يسبق العمر البيولوجي أو يتخلف عنه. هنا نجد طفلًا في العاشرة يفكر بحكمة الكبار، ونجد رجلًا في الخمسين ما زال يتعامل مع الحياة بعفوية المراهقين. العقل له عمره الخاص، ينضج بالتجارب لا بالسنين، يكبر بالمعرفة لا بتقدم التقويم.
لكن العمر الأكثر غموضًا وسحرًا هو العمر الروحي. تلك الروح التي قد تظل طفلة مهما تقدمت بنا السنون، تلك البراءة الداخلية التي ترفض أن تشيخ. كم منا يشعر في أعماقه بأنه ما زال ذلك الطفل الذي يركض في حقول الخيال، يحلم بلا حدود، يضحك بلا سبب؟ الروح لا تعرف التجاعيد، وحين نحافظ على طفولتها، نحافظ على جوهر إنسانيتنا.
أما العمر العاطفي، فحدث ولا حرج. هنا نجد “شيوخ المشاعر”، أولئك الذين استهلكتهم التجارب العاطفية فأصبحوا لا يشعرون بشيء، قلوبهم مغلفة بطبقات من خيبات الأمل والجراح القديمة. وهناك من يظلون أطفالًا عاطفيًا، ينفتحون على كل تجربة بقلب طري، يحبون كأنها المرة الأولى، يتألمون بكل صدق، ويشفون ليبدأوا من جديد.
وماذا عن أعمار أعضاء جسدنا؟ فقلب رجل في الأربعين قد يكون في السبعين بفعل الضغوط والتوتر، بينما قلب آخر في الستين ينبض بحيوية العشرينيات. كبدنا يشيخ بما نطعمه من سموم أو يظل فتيًا بما نمنحه من عناية. عيوننا قد تتعب قبل أوانها، وعقلنا قد يحتفظ بمرونة الشباب إن أبقيناه نشطًا.
العمر الابداعي والانتاجي
هناك مبدعين و فنانين و علماء برغم اعمارهم البولوجية القصيرة الا ان انجازاتهم يشهد لها التاريخ الانساني
الحقيقة أننا كائنات متعددة الأزمنة، نعيش في تقاطع أعمار مختلفة. والحكمة ليست في أن نجعل كل هذه الأعمار متساوية، بل في أن نعرف متى نستدعي أيًا منها. أن نكون حكماء عقليًا حين تتطلب الحياة ذلك، أطفالًا روحيًا حين نحتاج للبهجة، شبابًا بيولوجيًا بالعناية بأجسادنا، ومنفتحين عاطفيًا رغم كل الجراح.
ربما السر في حياة متوازنة هو أن نعيش بوعي كل هذه الأعمار، أن نصغي لكل واحد منها، أن نمنح الطفل داخلنا مساحة للعب، والحكيم فينا فرصة للتأمل، والقلب فرصة للحب مهما تقدمت بنا السنون.
فنحن في النهاية لسنا رقمًا واحدًا على شهادة ميلاد، بل سيمفونية من الأعمار تعزف معًا لحن وجودنا الفريد.
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.
اقرأ أيضا
الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: عناق الأهداف




