توبكُتّاب وآراء

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: ويرفرف العمر الجميل الحنون

تسيطر على الكثير من أبناء جيل الثمانينيات والتسعينيات هذه الأيام وبقوة حالة من النوستالجيا- الحنين إلى الماضي- إلى درجة قوية، نبحث عن كل ما هو قديم لننتمي له ونستمتع به ومعه حتى أن الاعلامية الشهيرة مفيدة شيحة عبرت عن ذلك في أحد بوستاتها على صفحتها قائلة أنها تتابع كل ما هو قديم ينتمي إلي جيلها.

تملكني الفضول لأبحث عن سبب هذه الحالة، وبحثت داخلي كثيرا إلى أن توصلت إلى ما أعتقد إنه السبب، فنحن جيل يمتلك ذكريات كثيرة لاحصر لها، كان لنا في كل مناسبة لقاء واحتفال وطقوس، كنا دائما متواجدين معا نلتف حول شئ أو شخص ما، نلتف حول أجدادنا، نلتف حول مائدة الطعام، نلتف حول شاشة التلفاز أو حتى نلتف حول بعضنا البعض في لقاء عائلي دافئ قد ينتهي أحيانا بافتراشنا الأرض للنوم.

كانت لنا دوما ذكريات، أحاديث لا تنتهي وحواديت نستمتع بالاستماع إليها، كان لدينا دوما ما نشتاق إليه ونفتقده ونسعي لانهاء أمورنا الهامة وواجباتنا من أجله.

أين الجيل الحالي الآن من كل ذلك؟؟ هل لدي هذا الجيل ما يشتاقون إليه وما يسعون لانهاء مهامهم من أجل الحصول عليه؟ تلفت كثيرا حولي فلم أجد هذه الذكريات أو الحالة إطلاقا، لم تعد هناك حواديت أو لقاءات أسرية ننتظرها بشوق ولهفة بل العكس تماما، فالجيل الحالي معظمه، إن لم يكن كله، يهرب من أية لقاءات عائلية أو واجبات اجتماعية، لقاء الأجداد أصبح عبئا ثقيلا على الأحفاد، بل أن حتى التجمع البسيط بين أفراد الأسرة الواحدة أصبح حلما.

سيطرت السوشيال الميديا للأسف على عقول وأجساد الشباب فلم يعد لديهم ذاكرة أو ذكريات، أصبح لكل شاب من هذا الجيل عالمه الخاص قلما يخرج منه ليتواصل فعليا، فقط يكتفي بتواصل افتراضي، لم تعد هناك فرق كرة قدم في الشوارع وركل حقيقي للكرة وخلافات حول مركز كل طفل في اللعبة، فقط فرق افتراضية وأشخاص غير حقيقيين ويد بلاستيكية نضغط أزرارها، لم يعد هناك طقوسا أو ترتيبات نقوم بها استعدادا لاقتراب مناسبة معينة.

لقد حبس هذا الجيل نفسه في حلقة افتراضية مفرغة يدور من خلالها ولا يخرج منها، دائرة زائفة غير حقيقية للأسف تشكل وعيهم ووجدانهم وفقا لتوجهات صانعيها ومخترعيها، وأتذكر أني سألت احدي الفتيات عن طقوسها مع أسرتها للاحتفال باحدي مناسباتنا الدينية فلم تذكر إلا الخروج لأحد المراكز التجارية للتسوق فاستفسرت منها وماذا عن التجمعات العائلية والسهر للحديث مع الأخوات ومشاهدة فيلم أو مسرحية لطيفة واعداد وجبات خفيفة سويا لنسعد بها بقية أفراد الأسرة فلم ترد إلا بأن الأسرة قلما تجتمع أو يدور بينها أي حوار، كل مشغول بجواله وكفي.

أعتقد أن هذا الجيل لن يحن إلى الماضي ولن تنتابه أية حالة من النوستالجيا فهو بالفعل ليس لديه ما يفتقده أو يشتاق إليه، ليس لديه مكافآت انسانية فعلية يسعي من أجلها لانجاز ما يجب عليه انجازه، فقط يصرخ ويولول عندما يسحب منه هاتفه.

أصبحت عقول وروحانيات أبنائنا تحت رحمة شاحن الهاتف، انحصر دور الأسرة فقط في جمع الأموال وحجز التمرينات والدروس، لم يعد هناك مجال لذكريات ولحظات خاصة، أصبح لدينا جيل بلاستيكي آلي بلا انفعالات أو انسانيات. وإن كانت المخدرات آفة جيل الثمانينيات والتسعينيات، فالهواتف المحمولة بلا شك آفة هذا الجيل تسلبه انسانيته وهويته بلا رحمة أو هوادة.

والحقيقة أني لا أدري تحديدا من وراء هذا التشوه المجتمعي، من المسئول عن هذا التفكك الأسري وفقدان الهوية والانتماء لهذا الجيل؟ هل الوالدين أم الدولة بمؤسساتها التي لا تجد إلا مزيدا من الأعباء لتلقيها على كاهل عائل الأسرة حتى أنه بالكاد يجد وقتا ليلتقط أنفاسه متجاهلا ومتناسيا دوره كرب للأسرة يسعي للم شملها وتوجيهها؟

في كل الأحوال الأمر جد خطير، إن هذا التشتت الأسري ما هو إلا انعكاس لجيل يقترب من فقد الهوية والانتماء وينتظر أي إشارة ليفر هاربا وينتسب إلى مجتمع آخر يدفع أكثر، إن معظم النار من مستصغر الشرر لذلك يجب الالتفات لهذا الأمر ومناقشته جديا.

أعيدوا احياء طقوسنا وعاداتنا، تمسكوا بكل ما يخص مجتمعنا العربي والشرقي، انفضوا التراب عن تراثنا وثقافتنا و الفتوا نظر الأبناء لها، لا تتركوا أبناءنا فريسة سهلة لكل ما ومن لا يخصنا أو ينتمي إلينا ليدير دفته حيث يشاء.

فلنحط أبناءنا بالحب والرعاية والاهتمام، لنجذبهم بقوة وحنان إلى دائرتنا ومجتمعنا وثقافتنا وتقاليدنا ولنفخر ونباهي بها.
اصنعوا الذكريات.

مقالات ذات صلة 

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: سيادة وزير التربية والتعليم.. هل تسمعني؟؟؟ حول

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: الست المصرية بين مطرقة رجل المترو وسندان الست كرمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى