كتب- أحمد أبو زيد
في شهر يناير .. ولد القارئ المصري الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، حيث كان ميلاده في 1 يناير 1927 “الموافق 26 جمادى الآخرة 1345 هـ” في قرية المراعزة بمدينة أرمنت، محافظة قنا، بصعيد مصر
القارئ .. صاحب الحنجرة الذهبية والصوت الملائكي القادم من السماء الشيخ عبد الباسط عبد الصمد الذي امتلك صوتًا يجعلك تعرج إلى ربك في غمضة عين.
ينتزع نفسك من شغف الدنيا مهما كنت مهمومًا بها، حينما يقرأ آيات من القرآن عن الجنة تشعر وكأنك واقف على أبوابها، وحينما يتحدث عن عذاب القبر يقشعر بدنك..
فكانت تلاوته عذبة كـ صوت السماء، الذى يقرأه سفير القرآن….
ربع مليون هندي
الشيخ عبد الباسط كان القرآن يمس قلبه قبل أن يصل لحنجرته، ويتلفظ به لسانه.
وذاع صيت حنجرته الذهبية في العالم، فكان القارئ الذى أحيا حفلة قراءة وسط أكبر حشد جماهيري في العالم على الهواء باستاد الهند الكبير.
حدث ذلك في ثمانينات القرن الماضي، حيث لم تكن الهند بلد شغوفا بكرة القدم والذهاب للملاعب، لذلك كان الحضور الجماهيري الأكبر في ملاعبها، لحفل تلاوة قرآن كريم بصوت العذب الخاشع الشيخ عبد الباسط، وليس لمباراة في كرة القدم، رغم أنها البلد المعروفة بتعدد الديانات حيث يعتنق شعبها قرابة 180 ديانة.
و في كتاب مزامير القرآن للمؤرخ أيمن الحكيم، يقول .. حينما فوجئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد ذات نهار برجل هندي يدق باب بيته بالسعودية، وفهم الشيخ منه أنه جاء مكلفا من أحد أثرياء الهنود المسلمين، يعرض عليه إحياء ليلة في الهند، ويرجوه باسم ملايين المسلمين الهنود ألا يكسر خاطرهم.
لم يصمد الشيخ عبد الباسط أمام أمنية هذا الضيف حينما أبلغه إنهم في الهند يعشقون صوته وطريقة تلاوته، ويتلهفون على تسجيلاته ويترقبون حضوره، وأن مجيئه إليهم سيكون يوم عيد لهم، وقبل الشيخ الدعوة وسافر إلى الهند وهو لا يتصور ما ينتظره في أم العجايب!
خطط الثري الهندي لإقامة الاحتفال في أكبر المساجد وأوسعها ليستوعب الأعداد المهولة من المسلمين الهنود، ولكن الرجل فوجئ أن الإقبال مذهل، والأعداد التي أحاطت بالمسجد أضعاف مضاعفة، وكان الحل أن يفتحوا الاستاد الكبير.
وقتها جاء المشهد الخالد في تاريخ ملاعب الهند، حينما تدفقت الحشود وملأت مدرجاته، آلاف مؤلفة، وفوجئ الجميع برئيسة الوزراء أنديرا غاندي، جاءت لتستمع لقارئ القرآن المصري الذي يحظى بكل تلك الشعبية في بلدها، وجلس ما يقرب من ربع مليون هندي يستمعون لصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد. ويستمتعون .
ربع مليون مستمع يحتشدون في ملعب كرة قدم، يجمعهم شغف الاستماع لتلاوة الشيخ عبد الباسط، ومع ذلك خرج الحفل في أبهى صورة، وخرج المستمعون منه وهم منتشين بكلمات الله.
تلا الشيخ عبدالباسط القرآن فى مصر، والسعودية، وسوريا، والإمارات، والمغرب، والهند، وباكستان، وفلسطين وفرنسا، وانجلترا، والولايات المتحدة الأمريكية، لكن يبقى حفله في استاد الهند الكبير، هو الأكثر الهامًا وتعبيرا عن شعبيته.
والشيخ كان من القلائل الذين زاروا جنوب إفريقيا في فترة انعزالها عن العالم بسبب سياساتها العنصرية التي استمرت حتى التسعينيات، حيث ألح الشعب الجنوب إفريقي على الحكومة لجلب الشيخ، والسماح له بزيارة البلاد وهو ما حدث ومكث الشيخ هناك أكثر من شهر.
زيارته لفرنسا
وفي فرنسا أقام الشيخ ليلة لقراءة القرآن حضرها أكثر من 4 آلاف شخص نصفهم لا يعرفون العربية، وتلا الشيخ القرآن الكريم لأكثر من ساعة وأقلقه صمت الجمهور التام والذي لا يعرف هل هو لحالة الخشوع مع التلاوة أو أنهم لا يفهمون ما يقول، لكن بعد ان انتهى وقف المستمعون وأخذوا في التصفيق لمدة 10 دقائق متواصلة، وجاءه السفير المصري في اليوم التالي ليقول له إنه كان خير سفير لمصر، وكتبت الصحف الفرنسية عنه إنه الرجل الذي قرأ ساعة كأنها 5 دقائق…
14 ولاية أمريكية
وزار الشيخ 14 ولاية أمريكية وأحيا فيها ليالي وفي كل حفل كان يشهر عدد من المستمعين إسلامهم، وفي زيارة 6 أيام لأوغندا أقام ليلتين حضر كل منها 20 ألف شخص، وفي الأولى أشهر 70 شخصًا لإسلامهم، وفي الثانية أحيا 32 آخر إسلامهم كذلك.
أحب الشيخ عبد الباسط القرآن منذ صغره وحفظه في سن 10 سنوات وتعلم القراءات والتجويد على يد الشيخ محمد سليم حمادة وجاب معه البلاد في ليالي دينية ليشتهر ويذيع صوته.
في بلدته أرمنت بقنا ومدن الصعيد، وكان رافضًا لدخول الإذاعة قبل أن يقنعه مقربون منه، ليدخلها عام 1950 في سن 20 سنة وتزيد بعدها مبيعات الراديو بسبب إقبال الناس على سماعه.
قرأ الشيخ في بلدان عربية كثيرة، بينها في جدة وفي المسجد الأموي بدمشق، وقرأ مرتين في المسجد الأقصى بفلسطين والذي وصفه كأنه يقرأ في الجنة.
الشيخ عبد الباسط عبد الصمد ، أدخل الملايين الإسلام بسبب صوته …صاحب الحنجرة الفولاذية …وقيثارة السماء
مولده
ولد الشيخ عبد الباسط سنة 1927 في قرية المراعزة في قنا بصعيد مصر ، تربى وسط أسرة مهتم بالقرآن وحفظه وتجويده .
جده من ناحية أبوه، الشيخ عبد الصمد، كان حافظ قرآن ومتقن جدًا في التجويد، وأبوه الشيخ محمد عبد الصمد كان من المجودين المحترفين. أخوه محمود وعبد الحميد من حفظة القرآن.
وعند 6 سنوات بدأ يلحق بهم ويحفظ معهم القرآن الكريم.
سمعة الطفل الصغير بدأت تنتشر وهو عنده حوالي 12 سنة، عندما كان يقرأ القرآن في دواوين كبار القرية.. وانتشر صيته في قنا، وبدأت العائلات الكبيرة والقبائل تدعوه لإحياء ليالي قرآنية في المناسبات العامة وفي رمضان
الشيخ عبد الباسط حكى في مذكراته إنه أخذ 3 جنيه أول مرة قرأ فيها، وكان عنده 14 سنة.. المبلغ ده كان كبير وقتها، وبالرغم من صغر سنه، بقى مشهور جدًا، وبدأ يسافر بين أسوان والأقصر بدعوات من كبار العائلات
في موقف عظيم في تاريخ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد أتهز فيه مسجد السيدة زينب من صوت الشيخ عبد الصمد
فأمّا من أعطى واتقى
سنة 1950، شاب مجهول كان لابس عباية بسيطة دخل مسجد السيدة زينب في مناسبة كبيرة ، قالوله يقرأ 10 دقائق فقط … وقف وبدأ يقرأ … “فأما من أعطى واتقى..”
الهدوء خيم على المكان، وبعدها انفجر مسجد السيدة زينب ، بالتهليل والتكبير وطبعا العشر دقايق اتحولت لساعة ونص، ومن ساعتها، الناس عرفت أسطورة عبد الباسط عبد الصمد وحلاوة صوته.
بعدما اشتهر الشيخ عبد الباسط في شهور قليلة، اضطر ينتقل يعيش في القاهرة مع أهله في حى السيدة زينب.
البرنامج العام .. السبت الثامنة مساءً
عندما التحق بالإذاعة، بدأ الناس تشتري الراديوهات أكتر، وانتشرت في البيوت كلها عشان يسمعوا صوته.. ومن كان يملك راديو في القرية أو الحي كان يرفع الصوت على الآخر عشان الجيران يسمعوا الشيخ، خصوصًا يوم السبت على موجات البرنامج العام من 8 لحد 8:30 مساء.
بكاء الحضور
وعندما كان في جنوب أفريقيا، كان في مكان يقطنه البيض فقط، ورفض عبد الباسط أن يقرأ فقط للبيض وقال: “القرآن للكل، مش لناس بس”، وأجبرهم يجمعوا كل الناس مهما كان لونهم في مجلس واحد يسمعوه… الناس كلها كانت متأثرة بصوته، واللي حضروا اليوم ده اتكلموا بعد كده عن مدى قوة صوته وتأثيره على القلوب.
مرة تانية كان في المسجد الأقصى، قرأ سورة الإسراء قوة صوته خلت أجهزة التسجيل تتعطل من الذبذبات العالية…
في الجامع الأموي بدمشق، وصل لمقطع من سورة يوسف، لدرجة إن الجمهور كله بكى جماعيًا، واضطر يوقف دقيقة عشان يهدأ الناس من فرط التأثر….
أيامه الأخيرة
الشيخ عبد الباسط عاش حياته كلها محبوب وملتزم، بس في الآخر كان بيعاني من مرض تليف الكبد وسكر الدم… رغم الألم، مكانش بيشتكي، وفضل يقرأ ويؤدي عمله لحد آخر أيامه… قبل ما يموت بأيام كان في لندن، حس إن أجله قرب وطلب من ابنه طارق يرجعوه فورًا: “عايز أقابل ربنا في أرضي وبين أهلي”…
وفي 30 نوفمبر 1988، توفى، وكانت جنازته مظاهرة حب كبيرة حضرها سفراء وملوك، وكل المآذن تقريبًا بكت على صوته…
رحم الله الشيخ عبد الباسط عبد الصمد … وأسكنه فسيح جناته….




