توبكُتّاب وآراء

الإعلامي حمدي رزق يكتب : التكيف أو الاندثار؟!

للفيلسوف والروائي الإيطالي “أمبرتو إيكو” مقولة فلسفية أقرب لحكمه ناظمة للسلوك البشري، تحت عنوان التكيف أو الاندثار.. وبتصرف النجاة  أو الاندحار..

يقول إيكو: “الحياة الآن لا يحكمها مفهوم الحق والباطل ولا مفهوم الأخلاق والمبادئ والمثل العليا الحياة يحكمها مفهوم القوة والضعف.. الذكاء والغباء.. التكيف أو الاندثار.. فحقك لابد أن تأخذه بالقوة والذكاء والتكيف مع الواقع.. فقد تطورنا عبر ملايين السنين من كائنات تفترس بعضها البعض مادياً إلى كائنات تفترس بعضها مادياً ومعنوياً ونفسياً وحقوقياً أيضاً”.

لفتتني المقولة العميقة وأن أطالع متوالية الحروب وأجندة الكوارث والجوائح التي أبتليت بها البشرية في ربع قرن أول من هذا القرن.

وكأن الكرة الأرضية يحملها شيطان بمنخار عريض ينفث شرا، ننام ونصحو على أزمات وحروب  وجوائح، ما إن تخمد أزمة حتى تتعقد أزمات، وما إن تخمد أوار حرب حتى تندلع حروب، وما إن تنجو البشرية من جائحة حتى تهاجمنا جملة جوائح، الكرة الأرضية باتت مقلقلة على قلق وكأن الرياح تحتها تتقاذفها يمينا ويسارا.

يسأل العارفون بالله، أما آن للبشرية أن تستريح من عناء الحروب، أن تنعم بالسعادة بديلا عن الشقاء، أن تشفي من أمراضها المزمنة والسارية، أن تقف لتسأل من أين وإلى أين نمضي؟!

يغيب الجواب في لجة الموج العاتي، صحيح الكرة الأرضية ثرية متخمة بالثروات والنعم ما يكفي سعادة البشرية جميعا إذا أحسن استثمارها لصالح ذرية أدم.

الصراع على الثروات ليس مبررا لسفك الدماء، والاقتتال على شبر من الأرض في مكان قصي في صقيع القطب الشمالي من العبث بمكان، والتسارع على حيازة أسلحة الدمار الشامل من الغباء الإنساني بزمان، لماذا يحوز البشر أسلحة هلاكهم وفنائهم؟!

هل فقدت البشرية رشدها، وألغت عقلها، وانحرفت بوصلتها، البشرية تنتحر كما الحيتان والدلافين قطعانا، البشرية تفقد فلذات كبدها بفعل آلة حرب مجنونة في أياد ملعونة.

أمراء الحرب يتكاثرون كالجراد، أسراب الجراد تجتاح الكرة الأرضية، أمراء الحرب يصلون الأبرياء نارا، ويحصدون من الأرواح ما لا تحصده الجوائح.. يقتلون بدماء باردة أرواح بشرية بثمن بخس.

كل هذه الحروب مجتمعة، كل هذه الشرور، كل هذه الآمال مشنوقة على أفرع شجر العلقم (الحنظل).

العالم صار مثل غابة موحشة، ظلمة تغشي النفوس، وتميت الضمائر، وتنزع الرحمة من القلوب، من يطفئ النار المشتعلة، من يوقف حروب الإبادة، من يستنقذ البشرية من الفناء المحتوم؟!

البشرية تسير إلى حتفها مسرعة، رغم لا آبار النفط نضبت، ولا مياه الأنهار جفت، ولا الحقول عقمت، ولا السماء انفطرت، وليس عن قلة بل كثير، ولكنكم غُثاء كغُثاء السَّيْل..

ما هو متوفر موفور ويكفي إطعام العالم بأسره ويزيد، لا يبيت في الكرة الأرضية جائع، فلماذا إذن الاقتتال على حبة قمح، وبرميل نفط، ونقطة مياه عذبة تروي طفلا عطش في ظهيرة قائظة.

المتدينون يتمنون نبيا يحمل قبس من نور يضيء ظلام البشرية، نبيا يدعو للسلام، للمحبة، للرحمة، وهذا ليس زمن الأنبياء ، وينسون أو يتناسون مابين أيديهم، وفي قلوبهم دعوات صالحات في كتب مقدسة لو تدبروها، وفقهوا فقهها، ونزلوها من عليائها تروي الأرض الشراقي، لنعمت البشرية بالمحبة والرحمة والعدل، والحمد مستوجب.. فبها ونعمت..

العلمانيون يرون الخلاص في عقل غائب، ويستحضرون العقل المادي من غيابات الجب، ويعولون على العقلاء في استبصار المآلات، ويخشون يوما يغيب العقل فتصير غابة تأمها الوحوش البشرية الضارية.

العاديون تلهج ألسنتهم بالدعاء، يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف، وهم قابعون في قعور بيتوهم حذر الخوف، لبثوا في كهوفهم النفسانية سنين عددا، وينتظرون رحمة من السماء.

أمراء الحرب في غيهم سادرون، ولا يرون سوى مصالح ضيقة، وثروات مكتنزة، وقطوف دانية، ولا يحفلون بأعداد القتلى والجرحى والمشردين في الأصقاع، صار القتل مشاعا، والحروب تباعا، ولسان الحال إنني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها. جد البشرية تعيش أسوأ كوابيسها، والأجراس تدق محذرة من حرب عالمية ثالثة لن تبقي ولن تذر، وترسانات أسلحة الدمار الشامل جاهزة لمسح الكرة الأرضية من الوجود.

البشرية التي صارت في أوج عظمتها، بثورتها الرقمية التي تلت ثورتها التكنولوجيا، أخشى أصيبت بغرور القوة، وكم شهدت صفحات التاريخ قيام وانهيار إمبراطوريات ماكانت تغرب عنها الشمس، وشهدت البشرية فصولا مأساوية سعي إليها أمراء الحرب، شرور نيرون الذي حرق روما لا تقارن بشرور هتلر الذي أحرق أوروبا، والقادم أسوأ، أخشى وأتحسب، الإصرار على أن القادم أسوأ يجعلنا نقبل ونرضى بالواقع السيئ..

هل هذا هو المراد؟

هل ترضى البشرية بكل هذا العنت، هل تتوافق على كل هذا الجنون، هل ترتضي مثل هذا المصير الأسود، البشرية تفقد قيمها الاخلاقية التي كفلت لها البقاء، الاخاء الإنساني، التعايش، التعاضد، المصير المشترك.

عناوين السينما العالمية سبقت وتنبأت بالفناء، والدمار، والاندحار، والاندثار، أخشى خيال المؤلفين في هوليود يسبق نبوءات العرافين في توجو (عاصمة الفودو الأفريقي)، السينما تستبصر المآلات ما يعجز العرافين عن استبصاره، السينما تقول لنا إن الفناء البشري صار محتوما، معلقا على ضغطة زر يطلق حمم الفناء، وفي الترسانات الحربية احتياطي استراتيجي يكفي الكون بأسره فناء.

أتخيل أن شعوب الكواكب البعيدة حائرون يتساءلون في جنون، لماذا هذا الكوكب الأرضي ملعون بنبوءة فناء أبدية، كوكب قلق لا يهجع ولا يسكن ولا يكف سكانه عن سفك الدماء، لماذا تحول الكوكب الأرضي إلى كوكب أحمر بلون الدماء.

تعجب من جائزة نوبل للسلام، حديث الحائزة يسري، هل لا تزال هناك دعوات للسلام تستحق جوائز، هل صار رسل السلام من الندرة بمكان، جوائز الحرب ثروات ومستعمرات، وآبار نفط مترعة، جوائز السلام تعلق على حوائط مخضبة بالدماء، طوبى للساعين للسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى