توبكُتّاب وآراء

د . هدى محمد عبد الرحمن تكتب: هل تستطيع الفلسفة فعلاً أن تشفي؟ رحلة البحث عن النفس والتعافي الداخلي

كثيرا ما نخطئ في تشخيص معاناتنا , ونعتقد أن المشكلة في الحدث نفسه، في الفقد، في الفشل، في القلق، في الناس، في الظروف, ونحمل الواقع وزر ألمنا كله، ثم نقف عاجزين أمامه كأنه قوة غاشمة لا سبيل لمواجهتها..لكن التجربة الإنسانية، كما تعلمنا الفلسفة، تقول شيئا مختلفا تماما:

المشكلة في الغالب لا تكمن في المشكلة ذاتها، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها, في طريقتنا نحن في النظر إليها, فقد ننظر إليها كعقبة وصخرة كبيرة تمنعنا من رؤية الصورة كاملة, وقد تصبح المشكلة في  طريقة تفكيرنا نحن,فلا توجد لدينا بدائل, ونتوقع الكثير ولا نجد إلا القليل, نبحث عن أشخاص تشبهنا في حبنا لهم مثلا أو حياة ليست لنا ولا نصيبنا.

فحين كان سقراط يجوب شوارع أثينا، لم يكن يبحث عن مرضى بالمعنى الطبي، بل عن أناس يعيشون حياة لا تشبههم. كان يرى أن الإنسان قد يكون سليما في جسده، ناجحا في مظهره، لكنه معطوب من الداخل لأنه لم يسأل نفسه يوما من هو؟ وماذا يستطيع أن يفعل؟، وماذا يريد حقا؟. ولهذا جعل معرفة النفس مدخلا لكل تعاف ممكن. ليس لأن المعرفة تشفي كل الجراح، بل لأنها تمنع الجرح من التحول إلى هوية ثابته لصاحبها.

كثير من البشر يعانون لأنهم يعيشون وفق تصورات ليست لهم. يطاردون معايير النجاح كما تعرض عليهم، لا كما تناسبهم. يقارنون حياتهم بحياة الآخرين، دون أن ينتبهوا إلى أن المقارنة لا تجري بين ذوات متشابهة، بل بين مسارات مختلفة جذريا. وحين يخسرون في هذه المقارنة الظالمة، يخلصون إلى حكم قاس على أنفسهم، لا على المعيار نفسه.

المقارنة المستمرة ليست دليل طموح كما يشاع، بل في كثير من الأحيان علامة اغتراب. الإنسان الذي يعرف نفسه حقا يقلل من المقارنة تلقائيا، لا لأنه زاهد أو متعال، بل لأنه أدرك أن ما يناسب غيره قد لا يناسبه، وأن حياة الآخرين لا تصلح مقياسا لحياته. المقارنة تفقد قوتها حين يفهم الإنسان أن النجاح ليس مفهوما واحدا، وأن لكل نفس طاقتها وإيقاعها ونقطة احتمالها.. من هنا، يتضح أن كثيرا من المشكلات التي نعتقد أنها خارجية هي في جوهرها داخلية بامتياز.

فليس الفشل هو ما يؤلم، بل تفسيرنا له كدليل نقص, وليس الخطأ هو ما يرهقنا، بل جلد الذات الذي يتبعه, وليس القلق هو العدو، بل محاولتنا المستميتة لإنكار ضعفنا الإنساني .. بلا مشكلات، لكنها تعلمه كيف لا تتحول المشكلة إلى حكم نهائي على قيمته.

والجدير بالذكر هنا أنه لا يقوم العلاج السقراطي على تقديم حلول جاهزة، بل على إعادة ترتيب الأسئلة. بدل أن يسأل الإنسان لماذا يحدث لي هذا، يتعلم أن يسأل كيف أتعامل معه. بدل أن يبحث عن تغيير العالم، يبدأ بفهم نفسه داخله. هذه النقلة البسيطة في الظاهر، العميقة في الأثر، هي جوهر التعافي الفلسفي.

أن يعيش الإنسان حياة تشبهه لا يعني أن يحقق كل ما يريد، بل أن يتوقف عن خيانة نفسه كل يوم.نعم علينا ان نعيش حياه تشبهنا , تشبه قدراتنا وامكانياتنا ولا نحمل انفسنا فوق طاقتها, الطموح حلو نعم , ولكن بحدود, لكي لا يتحول إلى سلسلة حول رقبتنا, علينا  أن نعترف بحدودنا دون احتقار، وبقدراتنا دون تضخيم، وبضعفنا  دون خجل, و. أن نتصالح مع إيقاعنا الخاص، لا مع إيقاع السوق ولا توقعات الآخرين.

كثير من التعب الذي نحمله ليس ضروريا، بل ناتج عن محاولتنا المستمرة أن نكون أشخاصا آخرين غيرنا, لماذا كل هذا العناء؟

وعليه يا سادة, لا تعالج الفلسفة هنا  المرض، لكنها تعالج العلاقة بالمرض., أو قل إن شئت الدقة الوقاية من المرض النفسي , أن أحب نفسي وأتصالح معها واعرف عيوبي وأعرف كيف اتجنبها الفلسلفة لا تلغي الخسارة، لكنها تمنعها من ابتلاع المعنى. لا تزيل الألم، لكنها تضعه في حجمه الحقيقي. وهذا في ذاته شفاء جزئي، لكنه صادق ومستدام.

في النهاية، لا يحتاج الإنسان إلى أن يكون أقوى، بل إلى أن يكون أصدق. لا يحتاج إلى حياة مثالية، بل إلى حياة يمكنه احتمالها دون أن يكره نفسه. حين يفهم هذا، تبدأ مشكلاته في التراجع عن موقعها المركزي، لا لأنها اختفت، بل لأنها فقدت سلطتها عليه.

وهنا، يتحقق ما كانت تقصده الفلسفة منذ بدايتها: أن يتعلم الإنسان كيف يعيش، لا كيف يهرب.

 اقرا أيضا

د . هدى محمد عبد الرحمن تكتب : الوقوف مع الحق شرف لا يمنحه الله لذليل 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى