د. محمد المنشاوي يكتب لـ « 30 يوم »: رحلة “جبران الخاطر” ..!!
وكأنه أراد أن يقول له إذا كان أهل الأرض قد رفضوك وآذوك وسلطوا عليك سفهائهم وصبيانهم ، فإن أهل السماوات ومَنْ فيهن يفرحهم ويطيب لهم أن يستقبلوك لعلمهم بمقامك وقدرِك عند ربك ..جبراناً لخاطرك …
هكذا كانت هدية المولى سبحانه وتعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم بأن أُسرِى وعُرج به حتى وصل إلى مكان على بساط أُنس الله لم ولن يصل إليه مخلوق لا قبله ولا بعده ، بعد عام من الحزن والصد والأذى من قريشٍ وأقرانها ، فقد خلاله عمه أبو طالب الذى رباه وزوجته الوفية خديجة التى آوته وساندته ونصرته وآمنت به عندما تخلى الجميع عنه …
فما أن تضرع صلى الله عليه وسلم باكياً فى دعاءٍ تقشعر له الأبدان بعد عودته من الطائف وقد دُمِيت قدماه الشريفتان ، وشُج وجهه وكُسرت رباعيته ، إنتحى إلى شجرة على جانب الطريق باكياً مما فعله أهلها به قائلًا : إلهى أنت رب المستضعفين وأنت ربى يا أرحم الراحمين ، اللهم إليك أشكو ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس ، يا أرحم الراحمين إلى مَنْ تكلنى ، إلى عدو يتجهمنى أم إلى قريب ملكته أمرى ، إن لم يكن بك على غضب فلا أبالى غير أن عافيتك أوسع لى ، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تنزل بى غضبك أو يحل على سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله ” ..
والإسراء رحلة تفوق الخيال العلمى ، فعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان يسير بالبراق ؟ ، قال كان حافره عند منتهى طرفه ، بمعنى أقصى ما يراه البصر تكون خطوة قدمه ، وهذه هى سرعة الضوء كما فسرها العلماء لأن سرعة بصر الإنسان هى سرعة الضوء ..
لكن العجيب فى ذلك ، أن السير بسرعة الضوء لا يتحمله أى جسم بشرى له وزن وكتلة وأبعاد ، فلابد أن يتحلل هذا الجسم الكثيف إذا سار بسرعة الضوء ، لأن الجسم “الكثيف” لا يسير بسرعة الضوء “اللطيف” ويحتفظ بكثافته دون أن يتحلل ؟ وهذه معجزة علمية ، لم يستطع العلماء أن يحققوها لسفر البشر حتى الآن ، حتى أنها بقوانين العلم الحديث لا تُستوعب أو تُفهم ، غير أنها تحققت بقانون الله الذى هو على كل شىء قدير ، لجسد “كثيف” هو جسد النبى صلى الله عليه وسلم ، وبعد أن أهْل جسمه لهذه الرحله من خلال عملية شق الصدر قبيلها فتحول جسده من حال إلا حال ..
فقد وجد العلماء الذين يفكرون فى الخيال العلمى فى السفر عبر الفضاء بسرعة الضوء ، فوجدوا أن الأمر يستلزم منهم أن يحولوا جسم الإنسان “الكثيف”إلى “لطيف ” أى إلى موجات وذبذبات إذا ما أرادوا ذلك.. أى يقومون بتحليل الجسم إلى موجات ثم يسير بسرعة الضوء إلى مكان بعيد ، ثم يقومون بهذا المكان البعيد بإعادة تجميع وتركيب هذه الموجات مرة اخرى وتحويلها إلى جسم “كثيف” ، لأنهم لن يسطيعوا أن يحافظوا على بناء وتركيب جسم الإنسان دون تحلل ، فمسألة الإسراء مازالت معجزة حتى الآن ..
وحتى إذا ما نجحوا فى تحويل الجسم الى موجات ثم عادوا ليجمعوها ويركبوها ، ماذا يحدث لو نسوا إحدى هذه الموجات أو فقدت منهم عند التركيب ؟؟ !! ..
لكن نبينا صلى الله عليه وسلم سافر بسرعة الضوء فى الإسراء محتفظا بجسده وهذا خرقًا لقانون الطبيعة ..
أما المعراج ، فكانت معجزة المعجزات ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حتى لو عُرج به بسرعة الضوء ما كان قد عاد حتى الآن الى الأرض ، لأن المسافة بين الأرض والسماء الدنيا كما بينها هو صلِى الله عليه وسلم فى الأحاديث الشريفة تستغرق خمسمائة سنة فى الفراغ وصولًا الى السماء الأولى فقط ، كما أن حجم سُمكها خمسمائة أخرى ، ولكى يصل الى السماء الثانية يحتاج الى ألف سنة ، يعنى المسافة فراغ وسُمك يحتاج ألف سنة لكى يصل الى الثانية ، ولأنهن سبع سماوات فستستغرق رحلة الصعود سبعة آلاف سنة ذهاب فقط والعودة إلى الأرض تطلب مثلها !! ..
غير أنه لم يمر على بعثته صلى الله عليه وسلم حتى الآن سوى نحو ١٤٤٣ سنة ، يعنى لوحسبناها حتى بسرعة الضوء كان لايزال فى طريق الصعود لم يصل بعد .. !!
ولكنه قد عُرج به ب “كُن” الإلهية ، والذى مكنته صلى الله عليه وسلم من ذلك ، ولهذا تمت رحلتا الإسراء والمعراج فقط فى جزء بسيط من الليلة حتى أنه عاد فصلى الفجر فى مكة المكرمة..
فالله بهذه الرحلة المباركة المعجزة قد أخرج نبيه صلى الله عليه وسلم من دائرة “الزمكان” – كما يسميها بعض العلماء – حتى يتم له ذلك ، فأصبح يرى الكون من الخارج ، فشهد كل شىء معًا الماضى والحاضر والمستقبل ، على خلافنا نحن على الأرض، فنحن محصورين بمكان وزمان فلا نرى خارج دائرتنا ..
هذه هى رحلة الإسراء والمعراج التى تنطوى على أسرار لا يتسع المكان لسردها ، والتى كانت فى حقيقتها جبران خاطر لنبيه الذى لا يعرف قدره إلا خالقه حسبما قال صلى الله عليه وسلم هو : “لا يعرف قدرى إلا ربى” .
( كاتب المقال د. محمد المنشاوي سياسي وأديب ، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الاوسط للشؤون الدولية والتعاون الدولي ، وكبير محرري شئون رئاسة الجمهورية سابقًا ، والحائز على جائزة “ملهم الدولية – وشخصية العام لسنة ٢٠٢٤ ” فى مجال الإعلام الهادف والتثقيف السياسي ” من منتدى رواد الأعمال العرب)
اقرأ أيضا
د. محمد المنشاوي يكتب لـ « 30 يوم»: «الشخصية المحمدية وحُب الأوطان »..!!




