توبكُتّاب وآراء

أحمد النبوي يكتب لـ «30 يوم»: حق المواطن فى الرصيف ياحكومة

حظيت بطفولة لم أكن أعرف قيمتها إلا عندما انتقلت إلى القاهرة، أو كما يطلق عليها سكان الأقاليم «مصر»، وكأن تلك الأقاليم ليست جزءًا من الجمهورية حتى نهر النيل، رغم وجوده في أغلب محافظات مصر، إلا أنه يختلف عن نيل العاصمة.

ففي بلدتي شربين بمحافظة الدقهلية لدينا النيل فرع دمياط، وكنا أنا وأصدقائي في صغرنا نلعب دائمًا الكرة أمام منازلنا، وكثيرًا ما تقع الكرة في النيل، وكنا نستعيدها مرة أخرى، إلا في مرات قليلة يجرفها التيار ولا تعود. وكنا نسير على الكورنيش الصغير ونحن لا نعرف أن تلك متعة وأمنيات لآخرين لا يستطيعون تحقيقها.

ومع انتقالي إلى القاهرة، والزحام والسرعة التي نجري بها خلف اليوم، عرفت قيمة النيل وأهميته، ومع التقدم في العمر أصبح الحنين لرؤية النيل والسير على الكورنيش حلمًا أتمنى تحقيقه مرة أخرى، ولكنني أحاول أن أعوض ذلك الحلم الجميل بالسير على الرصيف في أي شارع، حتى ولو شارع منزلي، ولكن حتى بديل الحلم لا أستطيع تحقيقه، رغم وجود الرصيف، ولكنه محتل سواء من المحلات أو الباعة الجائلين، وهي قضية ليست بجديدة على سكان القاهرة، خاصة مع الباعة الجائلين وبالأخص في منطقة وسط البلد، ولكنها انتشرت بشكل مفزع في كل أحياء القاهرة.

ولكن الجديد والمرعب في أمر الرصيف المنشود هم أصحاب المحلات الذين احتلوا الرصيف ببضائعهم وكأنها حق لهم اكتسبوه مع عقد الإيجار، خاصة أن مساحة المحلات الآن انكمشت مثل مساحة الشقق، وهو أمر لا يحدث في أحياء معينة بالقاهرة مثل الماضي.

ولم تعد المشكلة مقتصرة على الباعة الجائلين، بل أصبحت ظاهرة في كل محافظات مصر بدون أي رقابة حقيقية، حتى في الأحياء الراقية أو الجديدة، فلن تجد رصيفًا واحدًا بدون انتشار البضائع والثلاجات المختلفة لأصحاب المحلات حسب نشاط كل منهم، وعلى المواطن أن يسير في الشارع وسط السيارات والموتوسيكلات والتكاتك بدلًا من السير على الرصيف.

مشكلة حقيقية يعاني منها الجميع، خاصة كبار السن والسيدات، وظاهرة يجب على الحكومة الإسراع في حلها بعيدًا عن الطرق المتبعة الحالية، والتي تتمثل في حملات من الأحياء على الشوارع، والتي يعلم بموعدها أصحاب المحلات قبل خروج تلك الحملات بوقت كاف.

فإذا نزلت، عزيزي القارئ، إلى شارع منزلك ووجدت كل المحلات مغلقة فلا تتعجب، ولكن عليك أن تعرف أن هناك حملة من الحي سوف تمر، لأن هذا هو مستوى الرقابة الحكومية على أصحاب المحلات، فماذا بالك بالرقابة على الأسعار؟

القضية ليست مجرد رصيف محتل، وليست مجرد تعديات، وليست مجرد فساد في المحليات أو تقصير في أداء دورها، وليست عدم قدرة الحكومة على ضبط الأسعار المتزايدة، ولكنها في الحقيقة قضية سلب حقوق المواطن في وطنه في ظل حكومة عاجزة، سواء عن رؤية ما يحدث أو غير قادرة على منح المواطن أبسط حقوقه.

وأنا هنا لا أتحامل على الحكومة ولا أكتب افتراءات، ولكنها ظاهرة حقيقية يعاني منها الجميع، ولا يرد أحدهم علي بأن هناك مكاتب للشكاوى في الأحياء، لأن هناك تجارب عديدة معها، فعندما تتصل يُطلب منك أن تصور المخالفة محل الشكوى وترسلها على الواتس، وحتى لو تحدثت مع المحافظة أو حتى وزارة التنمية المحلية ستكون النتيجة حملة من النوعية التي تحدثت عنها، والتي تسبقها إغلاق المحلات حتى انتهاء الحملة.

القضية ليست شكوى شخصية، ولكنها ظاهرة منتشرة ولا يوجد رادع لها، لذا لا تتعجب عندما تجد شقق دور أرضي تحولت إلى كافيهات ومطاعم ومحلات وورش ومغسلات سيارات أو معارض سيارات وسط مناطق سكنية بشكل مخالف للقانون، وتحت أعين وبصر رؤساء الأحياء والمحافظين والحكومة بأكملها.

وليس ذلك فقط، بل تجريف أي مساحة خضراء والاستيلاء عليها وصبها بالأسمنت لتصبح امتدادًا طبيعيًا للمحل. وللعلم، مثل تلك الشقق تُباع بثلاثة وأربعة أضعاف ثمنها السكني، مما يؤثر على أسعار الشقق بالارتفاع بشكل فقاعة عقارية، وليس طبقًا للقواعد العادية.

فمثلًا، أسكن منذ ربع قرن في منطقة بمدينة نصر كانت متميزة بالهدوء وقلة الأعداد نظرًا لعدم وجود أي امتداد لها أو عشوائيات يمكن أن تصلها، وكان بها مساحات خضراء متنوعة، واليوم اختفى الرصيف والمساحات الخضراء والهدوء والتميز، وأصبحت المنطقة تميل إلى العشوائية في كل شيء، باستثناء قلة من الملاك الأصليين الشاهدين على مدى الفساد والتسيب والإهمال، والمشاجرات الدائمة بين العمال أو الدليفري، أو بسبب عدم وجود أماكن لركن السيارات، فبعض أصحاب المحلات لم تكتفِ باحتلال الرصيف، بل أصبح لها حق مكتسب في الشارع نفسه أمام المحل.

أنا لست قاسيًا فيما أصف، بل على العكس، أتمنى من الحكومة أن تستعيد دورها الرقابي الحقيقي في ضبط الشارع المصري، ومنح المواطن حقه المشروع، والقضاء على الفساد المستشري في المحليات وهذا ليس اتهامًا مني، ولكنه طبقًا للقضايا التي تعلن عنها الأجهزة الرقابية كل يوم وتنشر على صفحاتها الرسمية وفي الجرائد، ولكنها غير كافية للسيطرة على فساد المحليات، ذلك السرطان المنتشر في الوطن منذ عقود طويلة، والذي يحتاج إلى حكومة تملك يدًا من حديد تضرب بها، في ظل وجود أجهزة رقابية تعمل على مدار الساعة.

ولو كانت هناك نية جادة للحكومة للقضاء على الفساد، فعليها أن تشارك المواطن معها، وأن تستفيد من تجربة وزارة الداخلية الناجحة جدًا عبر صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي، من إشراك المواطن في الإبلاغ عن المخالفات التي يراها، ونجاح وزارة الداخلية الحقيقي في سرعة الاستجابة والرد وضبط المخالفين، وإعلان ذلك بكل شفافية وسرعة.

أتمنى أن يكون هناك صفحة شكاوى للحكومة على غرار وزارة الداخلية، مع سرعة الاستجابة والرد، حتى تستطيع الحكومة إعادة الثقة مع المواطن، بالإضافة إلى محاربة أي فساد.

مقالات ذات صلة 

أحمد النبوي يكتب لـ «30 يوم»: سبحتك فين ياحكومة؟

أحمد النبوي يكتب لـ «30 يوم»: الصحافة ليست رجسًا من عمل الشيطان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى