محمد شكر يكتب لـ « 30 يوم » : ترامب يهادن السيسي ويلوح بـ النيل لتمرير مجلس غزة
ورقة النيل.. حصان رابح يراهن عليه الرجل البرتقالي كلما احتاج دعما من مصر، هو يدرك أهمية المقايضة في إبرام الصفقات، ويدرك وجودية الملف ورباط المصير الذي يبقى عيون القاهرة مثبتة على أديس أبابا، لهذا يمعن ترامب في التلويح بورقة النيل التي أحرقها مرارا وتكرارا، لأنه يرى فيها ورقة رابحة تغلق ملفاً جنوبيا غدا مزمنا بالنسبة للقاهرة، حتى أن الحديث الأخير لترامب حول أزمة سد النهضة جاء مرفقاً باعتراف بدور الرئيس المصري في قيادة جهود وقف الحرب على غزة، وإشادة بدور مصر في إدارة تحديات المنطقة، وهو ما أتبعه ترامب بعرض جديد للوساطة في ملف سد النهضة والتأكيد على الحق الوجودي الذي يكفله القانون الدولي لمصر في مياه النيل، في مبادرة يعمل من خلالها ترامب على إضافة ملف النيل إلى حائط بطولاته الوهمية، ليؤكد أنه رجل السلام الذي يطفئ حروباً أشعلها، وهو من اعترف بتمويل بلاده لسد النهضة، وهو من أكد حقوق مصر المائية دون تحرك يذكر خلال فترته الرئاسية الأولى وما انقضى من الثانية، وها هو يعود إلى الورقة ذاتها في محاولة لمهادنة مصر التي قادت تشكيل لجنة إدارة غزة وعبرت بها إلى المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ للسلام، في محاولة للحصول على تأييد مصر لمجلس ترامب للسلام، الذي قالت إسرائيل أنه لا يلائمها كما لا يلائم محددات مصر، بما يحمله من أسماء يمكن التوافق عليها، وأخرى عليها علامات استفهام مصرية وعربية.
ويأتي خطاب البيت الأبيض الذي أرسله ترامب للسيسي في اليوم التالي لإعلان القاهرة تشكيل لجنة الإدارة الوطنية لقطاع غزة، وإعلان ستيف ويتكوف بدء المرحلة الثانية رسمياً، ورفض إسرائيل تنفيذ التزاماتها دون تسلم جثمان المحتجز الأخير الضائع بين ركام سببته قذائفها، في تشابك لم يستغرق أكثر من ساعة، وقد تكون هذه التشابكات هي ما دفعت إدارة ترامب إلى الإسراع في تشكيل مجلس السلام وإعلان قيادة قوة حفظ الاستقرار دون استقرار حتى على الدول المشاركة فيها، في محاولة للهروب إلى الأمام بالاتفاق الوحيد الذي نجح فيه ترامب خلال عامه الكبيس، كما أن توقيت الخطاب وارتباطه بما رسمته مصر من خطوط حمراء وثبات على مواقفها، ساهم في الدفع نحو المرحلة الثانية من اتفاق السلام، لهذا يأتي ثناء ترامب على السيسي بعد إدراكه قدرة مصر على إدارة هذا الصراع بتحركات دبلوماسية لم تتوقف لأكثر من عامين، عاصر منها ترامب عاما من الرفض، قبل أن يدرك مركزية القضية الفلسطينية بالنسبة للإدارة المصرية، واستقلال القرار الوطني استناداً إلى موقف شعبي مساند للحق الفلسطيني، وجيش وطني قادر على الردع وفرض إرادة الدولة داخلياً وخارجياً، لهذا فقط أدرك ترامب أن لا استقرار أو سلام أو مستقبل للإسرائيليين قبل الفلسطينيين بدون دور مصري، وهو ما قاله خطاب البيت الأبيض الذي يمثل اعترافاً بقيادة مصر لمختلف مراحل ما توصف بمبادرة ترامب، وما نتعارف عليه باتفاق شرم الشيخ للسلام الذي يتناص مع الورقة المصرية التي سبق ورفضها ترامب قبل أشهر، لتتخذ مصر من الصمت تجاه السطو على جهودها وسيلة لإتمام وقف الحرب، حتى تمنح الرجل البرتقالي نصراً زائفاً مقابل منح أرواح غزة فرصة للنجاة من جحيم صنعته الأسلحة الأمريكية لجيش الاحتلال.
ومما سبق يمكن أن نتأكد أن التلويح مجدداً بورقة النيل من قبل ترامب، لم يعد يبغي من ورائه تنازلاً على الجبهة الشرقية لمصر، بل محاولة لمهادنة السيسي لتمرير تشكيل مجلس السلام الذي يرأسه، والذي يمكن لمصر التغاضي عن أسماء لن تدفع نحو السلام في هذا المجلس، مقابل الضغط لتنفيذ بنود المرحلة الثانية وأهمها فتح معبر رفح ودخول معدات إزالة الأنقاض والبدء في إعادة الإعمار، لتدفع القاهرة نحو عودة الحياة للقطاع من جديد، مقابل أتباع ترامب في مجلس السلام الذين يحسبون الآن أرباح وكلائهم من شركات إعادة الإعمار الأمريكية، هي مرحلة غائمة تتضارب فيها حسابات مختلف الأطراف، فنهم ترامب لا يتوقف، وشهيته مفتوحة لابتلاع العالم، ومصر التي منحته وثيقة السلام الحقيقية الوحيدة في فترتيه الرئاسيتين، لن تزاحمه في جني أرباح إعادة الإعمار، وهذا لا يعني أنها لن تحقق فوائد اقتصادية، فلا إعمار للقطاع بدون مصر، لهذا يتوجب على ترامب دفع إسرائيل لتحمل كلفة إزالة أنقاض القطاع، وعدم الانغماس في جدلية سلاح حماس قبل دخول قوة حفظ الاستقرار الدولية، أو الاستمرار في استخدام جثمان المحتجز الأخير كمعول لهدم المرحلة الثانية وإنهاء الاتفاق، فهي ألغام على إدارة ترامب تفكيكها قبل أن تنسف ما تم البناء عليه في شرم الشيخ، وحتى تبقى مصر في الجانب نفسه مع الولايات المتحدة، التي أدركت دوما -ولو أدرك ترامب متأخراً- أن مصر مفتاح المنطقة وقيادتها التاريخية بجغرافيتها الاستثنائية القابضة على محاور الإقليم، والقادرة على إدارة تحدياته سلمياً وعسكرياً، فصمود مصر أمام ضغوط واشنطن لسحب عشرات الآلاف من جنود وقوات الجيش المصري من سيناء، أبلغ تعبير عن فرض الإرادة والاستقلال الوطني، في وقت تتهافت فيه الدول على نيل رضا ترامب، وتمنحه الرشاوى عن طيب خاطر لمجرد تجنب نزواته الكارثية، مقابل تفعيل مصر استراتيجية الردع، باستنفار مختلف أجهزتها لإدارة معركة لا اعتقد أنها انتهت.
ولأن إسرائيل لن تسمح بمسار هادئ للمرحلة الثانية، ومصر لن تسمح بانهيار الاتفاق والعودة للحرب، فالمعركة ما زالت مستمرة، ويمكن اعتبار الصراع الذي يتجاوز قطاع غزة وفلسطين قاطبةً، إلى كونه صراع أقطاب لانتزاع قيادة المنطقة، والذي يعتبر أيضاً مسار جانبي للصراع القائم على قيادة النظام العالمي، مع خصوصية مصر في كل مشروعات للأقطاب المتناحرة على قيادة مستقبل العالم، لهذا فمصر لا تقبل بشرق أوسط جديد تحكمه أو تقوده إسرائيل، وترامب يدرك جيداً ان الورقة التي ألقاها مراراً دون أن تلقي لها القاهرة بالاً رغم التهديد الوجودي الذي يمثله الأمن المائي لمصر، لم يعد لها التأثير نفسه بعد أن أصبحت أديس أبابا رهينة للسد الذي بنته ولا تقوى على تشغيله بعد أن فاضت المياه من ممره الأوسط، فلا قدرات أكبر على التخزين، ولا عوائد يمكن أن تعضض موقف آبي أحمد، ولم تعد دولة محيطة بإثيوبيا بلا نفوذ مصري أو تواجد عسكري صريح استعداداً لساعة الحسم، وكل ما سبق ذكرته العديد من التقارير التي تلقاها ترامب في مكتبه البيضاوي، لهذا فقط أصدق نوايا ترامب التي لم تكن حقيقية سابقاً، ولكنها الآن أكثر صدقاً مع تنامي النفوذ المصري في أفريقيا، تثبيتا للأمن القومي المصري، المرتبط تاريخياً بمنابع النيل في الجنوب، كما يرتبط بالقرن الأفريقي ومضيق باب المندب، لهذا لا تتوقف مصر عن جهود تأمين البحر الأحمر، وحشد همم الدول المشاطئة لمنع إثيوبيا من السطو على ميناء صومالي أو إريتري يضعها بالقرب من مياهه الثمينة، ولأن ترامب يحتاج السيسي كثيراً لم يقدم على خطوة إسرائيل بالاعتراف بما يسمى بأرض الصومال، رغم ثقتي في اطلاع ترامب على الخطوة الإسرائيلية رغم نفيه ذلك، فنتنياهو يبحث عن حرب في أي مكان، لأن نهايته باتت قريبة، ولو هادنه ترامب بالتصعيد تجاه إيران ليوهمه بمنحه حرباً بديلة لحرب غزة تبقيه في السلطة لا في غياهب السجون، وهي الإشارات التي تبقي نتنياهو مترقباً مدركاً ان ترامب يحاول التخلص منه على خلاف ما يدعيه بإغداق أوصاف البطولة عليه، والمطالبة بالعفو عنه، ليبقى المشهد جامداً حتى ارتكاب نتنياهو حماقة منتظرة لإفساد اتفاق السلام، وهو ما تتحسب له مصر بسد مختلف الثغرات لتأمين اتفاق شرم الشيخ للسلام، بما يسهم في استمرار حقن دماء سكان القطاع الفلسطيني المحاصر.
اقرأ أيضا
محمد شكر يكتب لـ 30 يوم : مصر تنتصر في قمة فرض الإرادة والاستقلال الوطني .. شرم الشيخ سابقاً




