حمدي رزق يكتب: معضلة تجديد الخطاب الثقافي
لفتنا “تجديد الخطاب الديني” وهو (مهم)، عن “تجديد الخطاب الثقافي” وهو (أهم)، وإذ خشي المتهافتون من مغبة تجديد الخطاب الديني، ولم يحملوا الأمانة اجتهادا، أخشى تولي المثقفون يوم التجديد الثقافي، وتناسوا الأمانة إهمالا.
و الاجتهاد لغة، “بذل الجهد في فعل شاق”، وعرفه علماء أصول الفقه بـ “بذل الجهد في إدراك الأحكام الشرعية”، ويقابله “التقليد”..
يبدو أن (مدرسة النقل) لا تزال تراوح مكانها من دعوة تجديد الخطاب الديني، لم تأخذ بالأسباب التي استبطنتها الدعوة الطيبة، أخشى استنكفتها قعودا.
تجديد الخطاب الثقافي ليست مهمة يسيرة، ولا تحتمل تأجيلا، ولا تسويفا، ولا مماطلة، لا نملك ترف تضييع الوقت، والوقت من ذهب. انصرم عقد كامل منذ انعقاد الدورة الأولى للملتقى الدولى لتجديد الخطاب الثقافي، (29 إلى 31 مايو 2016)، والتي شارك فيها مائة وثلاثين من المفكرين والإعلاميين والباحثين والمبدعين والنقاد المصريين والعرب والأجانب؛ من أكثر من عشرين دولة عربية وأجنبية.
توفر المجتمعون بدعوة وزير الثقافة “حلمي النمنم” وقتئذ، على محاور رئيسة تشكل ملامح تجديد الخطاب الثقافي ..
* الثقافة والإصلاح التشريعي.
* حقوق المواطن الثقافية والعلمية.
* الصناعات الثقافية الإبداعية.
* الثقافة والتعليم.
* الثقافة والمجتمع.
* الجغرافيا الثقافية في مصر.
* إدارة العمل الثقافي وإشكالياته.
* دور التكنولوجيا في تجديد الخطاب الثقافي..
وكأنه حرث في البحر، بعد ثلاثة أيام من الحوارات العميقة، والمناقشات المستفيضة، والأوراق التي تحمل تشخيصا لواقع ثقافي ماضوي عصفت بثوابته ونظرياته الثورة الرقمية.. للأسف رفعت الأقلام وجفت الصحف، وتم تجميد توصيات المؤتمر في ثلاجة وزارة الثقافة،و
لم يشأ وزير ثقافة من اللاحقين أن يفض الأوراق، فحسب يطالع محتواها، ويضعها موضع التنفيذ الأمين بغية تجديد الخطاب الثقافي.
التجديد في الحالة الثقافية ، وصفا ما نحن بصدده ويتردد صداه الحاجة إلى “مشروع ثقافي” حداثي متطور يواكب الثورة الرقمية، ينتج نهضة ثقافية تترجم ريادة كالتي كانت عليها الثقافة المصرية في النصف الأول من القرن الماضي والتي تقتات على فتاتها في بداية الربع الثاني من القرن الذي حظي بصورة معرفية عاتية أنتجتها الثورة الرقمية.
عمومية الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني، كانت مدخلا لإنكارها، وتعويقها، فلم تلمس أمواجها الشواطئ القريبة ولا استبصرت المآلات التي ترنو إليها الدعوة، أخشى قبرت حية بعمدية مع سبق الإصرار من قبل أنصار الدولة الدينية وأذرعهم في المؤسسات الدينية الرسمية وشبه الرسمية.
الدعوة إلى تجديد الخطاب الثقافي ستلحق حتما بنظيرتها، وتقبر في قبر من رصاص يمتص الإشعاعات حتى لا تشيع في الفضاء الثقافي، هناك من يخشى الاقتراب حذر الاحتراق، في التأني السلامة وفي العجلة الندامة، من عناوين تثبيط الهمم.
الرهان على المشتغلين بالعمل الثقافي ( تسليعا) في حمل مؤنة تجديد الخطاب الثقافي رهان خاسر، والأمانة مرهونة بنفرة المبدعين أنفسهم أصحاب الحق الحصري، لاستقبال الدعوة، وتنزيلها من سماء النظرية إلى أرض الواقع، وهذا يتطلب جهدا ثقافيا من المؤتمنين على الأمانة.
مرور عقد كامل على دعوة تجديد الخطاب الثقافي دون حراك ثقافي حقيقي، أخشى ندور في حلقة مفرغة، تنتهي بفراغ ثقافي يعبد الطريق سالكة للاستلاب الثقافي الذي يهدد الثقافة الوطنية في عقر دارها.
الثقافات الهجينة التي تهب علينا مثل (هبوب السموم)، رياح صحراوية حارة وجافة وعاصفة، تعمي الأعين تحشوها بالأتربة حتى لا ترى موقع قدميها.
رياح صرصر عاتية، تخلخل البناية الثقافية، تنخرها، عوامل النخر (موت الأنسجة)، وعوامل النحر (تآكل الشاطئ)، تهدد البناية الثقافية الوطنية، ولولا متانة أساسات البناية الثقافية لما صمدت، أخشي لن تصمد طويلا أمام طوفان الثقافة الهجينة الذي يضرب شواطئ المحروسة دون حواجز ثقافية صخرية تتكسر عليها هذه الأمواج التسونامية.
ما تعانيه الثقافة المصرية، نقص المناعة، ولأسباب وراثية وأخرى بالعدوى الفيروسية، منسوب المناعة الثقافية منخفض، ما يخشى منه تسلل فيروسات ثقافية هجينة تستهدف العقل الجمعي، والعرض الظاهر ما يسمى الاستلاب الثقافي القسري.
في (معركة الوعي) الحاجة ماسة لإقامة حوائط ثقافية عالية، تحمي الحياض الثقافية من الغزوات الثقافية المدعومة، إنهم ينفقون على ترويج منتوجاتهم الثقافية القشرية إنفاق من لا يخشى الفقر!
ما أخشاه تراجع القوى الناعمة في معركة الوعي، ما يشكل خطورة بالغة على العقل الجمعي الذي بات مبلبلا بين ثقافات تخترقه من الفضاء الإلكتروني بمسيرات ثقافية تقصف الدماغ المصري بعبوات مفخخة ثقافيا.
أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدًا، لم يفت الوقت بعد، ويمكن تعويض الفاقد زمنيا، بثورة ثقافية تعانق الثورة الرقمية، وبين ظهرانينا جيش عرم من المثقفين، مصر ثرية بمثقفيها، ثروتها الراكزة، كنوزها، واستكشافها واستخراجها من أبارها الغنية بالأفكار، مهمة وطنية، من موجبات الأمن القومي.
المطلوب مشروع ثقافي مصري حديث، يأخذ بالأسباب، ويقف علي الموروث، ويرنو ببصره نحو فضاءات الثقافة العالمية التي قطعت شوطا رقميا، سنوات ضوئية تفصلنا عن ثقافات كانت تستمد ألقها من نور الثقافة المصرية.
يوم قريب ليس ببعيد، والشواهد تقول كانت الريادة الثقافية مصرية، والمنتوج الثقافي مصري، والعاملين عليها مصريون، ليست من قبيل الشوفينية البغيضة، لكنها حق مستحق بحكم الدور والتاريخ والجغرافيا، الثقافة عادة تصدر عن دول القلب، ومصر واحة في قلب صحراء ثقافية.
لا نبكي على ريادة ماضوية، ولا نجلس جوار الحائط ملمومين محصورين في شعب ضيق .
التولي يوم الزحف يترجم هزيمة ثقافية والمشروع الثقافي الوطني لا يزال نابضا بالإبداع، ولم يسلم الراية بعد، الطريق سالكة لبلوغ المنى، وعلى قول طيب الذكر (أمير الشعراء) أحمد شوقي، “وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي، وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا..”.
الأهرام




