توبكُتّاب وآراء

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

جلست أشاهد احدي حلقات مسلسل الشهد والدموع ربما للمرة المليون لأجد نفسي وكالعادة أنظر إليه من منظور مختلف جديد وأسرح بأفكاري وخيالي بعيدا متناولة المسلسل من وجهة نظر مختلفة….. وبعيدا عن روعة الأداء وعظمة الحوار وجميع العناصر المختلفة والمكتملة للمسلسل، فإن ما لفت نظري هذه المرة وسرحت بخيالي بعيدا فيه هو الحوار، ولست أقصد بالحوار هنا المعنى المتبادل بين الشخصيات، وإنما أقصد اللغة بين أفراد العمل؛ الألفاظ المستخدمة والايحاءات.

في أحد المشاهد يعترف الأب لابنته بقيامه بسرقة أخيه وتسببه في قتله، فهل تغيرت لغة الابنة بعد هذا المشهد؟ هل حدث أي تطاول أو استهانة في الحوار من ناحيتها بعد هذا الحوار؟ لم يحدث بل ظلت لغة الاحترام متداولة.

مشهد آخر تعاتب الابنة مربيتها على تدخلها فيما لا يخصها فتحزن المربية لذلك وتقوم الابنة بمنتهى الرقي بالاعتذار عن مجرد لفت النظر.

استوقفني كثيرا في جميع المشاهد كلمات من نوع حضرتك وآسفة ولو سمحت وبعد اذن حضرتك وشكرا، ووجدت نفسي على غير عمد أقارن هذه الألفاظ بما نسمعه حاليا من كلمات ولغة دارجة على لسان جميع الشباب سواءا فيما بينهم أو مع الأكبر منهم سنا مع اختلاف درجات القرابة.

أين اختفت هذه اللغة؟ لماذا لم نعد نسمع هذه الكلمات، لقد صدمت وأنا في أحد الأماكن وإذ بي أسمع حوارا بين أم وابنتها كانت فيه الابنة تحدث الأم وكأنها ندا لها بل وتوبخها على أنها تتدخل في خصوصياتها، لم أسمع خلال هذا الحوار كلمة شكرا أو حضرتك أو حقك عليا بل كان تلوثا سمعيا متصلا، وللأسف لم تكن هذه المرة الوحيدة بل كانت هناك مرات عدة؛ احداها بين فتاتين كانت اللغة فيها تصل إلى ذروة الانحدار واستخدام ألفاظ يندي لها الجبين.

مواقف كثيرة رأيتها بعيني بين أم أو أب أو معلمة تؤدي خدمة ما إلى الابن أو الطالب دون أن أسمع أي رد مقابل مثل كلمة شكرا أو أري حتى ابتسامة امتنان، والأكثر من ذلك عندما وجهت احدي الفتيات إلى أن تشكر عاملا قدم إليها خدمة ما، كان ردها بمنتهى الاقتناع وعلام أشكره وهذا واجبه؟

هل هذا هو الواقع وما تنقله لنا الشاشات هو انعكاسا واضحا لما آل إليه المجتمع؟ أم أن العكس صحيح والاعلام بوسائله المختلفة هو من صدر هذه اللغة إلى أسماع هذا الجيل؟

من المسئول عن هذا التدني الحواري واللفظي بين حتى أفراد الأسرة الواحدة؟ ومن المسئول عن الأخذ بيد هذا الجيل لضفة الاحترام؟

أين ما تربينا عليه بأن التبسم فى وجه أخيك صدقة حتى الابتسامة تؤجر عليها وهى غير مكلفة سواءا مادية أو بدنيا.
لقد أصبحت هذه اللغة دارجة على لسان حتى الفتيات!!! أمهات الزمن القادم فكيف لنا أن نتصور حال الأجيال القادمة!!! هذا للأسف ما آلت إليه أخلاق شبابنا وسلوكياتهم.

من منا لم يسمع في صغره قصة سيدنا ابراهيم مع أبيه الكافر برب العالمين ورده عليه سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا.

يا الله على الاجلال والتهذب، لم يتفوه نبي الله بكلمة تسئ إلي والده الكافر ولم يعاتبه أو يلمه بل حتى لم يصمت تماما ويخرج متجاهلا، ولكن وعده بالسلام ودعا له بالهداية والمغفرة من رب العالمين.

ويمر الزمان ويؤمر سيدنا ابراهيم بذبح ابنه اسماعيل فإذا برد سيدنا اسماعيل إلى أبيه: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين.

لم يتوقف ليناقشه ويجادله ندا بند، وهو حقا أمر جلل، ولم يطع أمر ربه فقط وأعلم أن ذلك اصطفاءا من رب العالمين بل فقط أشير مرة آخري للغة الحديث.

كان الأب كافرا ولم يتفوه الابن بلفظ مسئ أو مهين، أين نحن من أخلاق أنبيائنا ورسلنا!!

أين التهذب في الحوار! أليس بيننا رجل رشيد ليرشد أبنائنا إلى ما يصح وما لايصح.

هل تضاءل دور الأسرة، والأم بالأخص، ليكون فقط لهاثا مستمرا على المادة!

هل اقتربنا لهذا الحد من زمن تلد فيه الأمة ربتها!

هل أصبح عجز الأب عن الوفاء بمسئولياته في زمن لا تنتهي فيه المسئوليات، مبررا لتتنحي الأم عن دورها الأساسي؛ وهو أن تستمع وترشد وتوجه وتعدل سلوكيات لانشغالها باللهاث والدوران في نفس دائرة البحث عن المادة لتلبية الطلبات!!!

ولماذا لم نعد نري في أعمالنا المعروضة بكثافة على جميع الشاشات سوي الفجاجة والتبجح والتطاول بلا تقريبا نموذج واحد لأفراد أسوياء في مجتمعنا.

هل يعتبر هذا انعكاسا لتجاهل الأب لدور الأم ومجهوداتها المتواصلة دون كلمة ثناء أو تقدير لذلك فنشأ جيلا يؤمن فقط بالاستحقاقية دون رد فعل مقابل؟

إعلاميا أناشد السادة المسئولين عن الاعلام أن يعيدوا الرقي إلى أسماعنا وأن يقوموا بفلترة ما نسمعه يوميا على شاشتنا ليكون ضوءا يسير على أثره شبابنا.

الأسئلة كثيرة والموضوع يطول الحديث والنقاش فيه حتى نري جميعا أجيالا مشرفة علميا وأخلاقيا، أجيالا تعرف كيف تعطي، ولو القليل، كما تعلمت أن تأخذ وتطالب، أجيالا تعترف بأخطائها دون جدال وتسعي لتصحيحها والاعتذار عنها، أجيالا بتقول شكرا لمن تفاني من أجلها.

مقالات ذات صلة 

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: Cherchez la femme

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: سيادة وزير التربية والتعليم.. هل تسمعني؟؟؟ حول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى