لواء د. أحمد زغلول مهران يكتب لـ « 30 يوم»: من جرين لاند إلى غزة .. تحولات منطق القوة وإعادة إنتاج الهيمنة في النظام الدولي المعاصر
شهد النظام الدولي في العقدين الأخيرين تحولات عميقة تمس جوهر مفاهيم السيادة وحق تقرير المصير، ودور القانون الدولي في ضبط العلاقات بين الدول. فمع تراجع فعالية المؤسسات متعددة الأطراف وتصاعد النزعات القومية داخل بعض القوى الكبرى، برز نمط جديد من السلوك الدولي يقوم على تغليب المصالح الجيوسياسية والأمنية على الاعتبارات القانونية والأخلاقية. في هذا السياق، تبرز حالتان مختلفتان في الجغرافيا ومتقاربتان في الدلالة: جرين لاند في أقصى الشمال، وقطاع غزة في قلب الشرق الأوسط. ورغم التباين الكبير بين السياقين، فإن الربط بينهما يكشف عن منطق واحد في إدارة الصراع الدولي، يقوم على اختبار حدود القانون الدولي وقياس ردود فعل المجتمع الدولي تجاه محاولات إعادة تشكيل الواقع السياسي والديمغرافي.
أولاً: جرين لاند •• الجغرافيا الاستراتيجية وحدود السيادة
تتمتع جرين لاند بوضع قانوني خاص بوصفها إقليماً يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، ويبلغ عدد سكانها نحو 55 ألف نسمة. إلا أن أهميتها لا تنبع من حجمها السكاني، بل من موقعها الجغرافي الاستراتيجي وثرواتها الطبيعية، خاصة المعادن النادرة، ودورها المتنامي في معادلات الأمن في القطب الشمالي. وقد أثارت تصريحات سياسية أمريكية سابقة حول إمكانية شراء جرين لاند جدلاً واسعاً، لما حملته من دلالات تتعارض مع المبادئ المستقرة في القانون الدولي، وعلى رأسها مبدأ عدم جواز التصرف في أراضي الشعوب دون إرادتها الحرة. ورغم أن تلك التصريحات لم تتحول إلى سياسة رسمية، فإنها كشفت عن توجهات فكرية داخل بعض دوائر صنع القرار ترى في الجغرافيا الاستراتيجية أداة قابلة للتفاوض. واللافت في هذه الحالة كان الموقف الشعبي والسياسي داخل جرين لاند، حيث عبّر السكان والقيادات المحلية عن رفض قاطع لأي مساس بوضع الإقليم أو سيادته، في تأكيد واضح على أن الشرعية لا تُستمد من ميزان القوة وحده، بل من إرادة الشعوب وحقوقها القانونية.
ثانياً : غزة •• إدارة الصراع عبر الأدوات غير المباشرة
على النقيض من حالة جرين لاند، يواجه قطاع غزة واقعاً أكثر تعقيداً وحساسية، يتمثل في حصار طويل الأمد وتداعيات إنسانية واقتصادية جسيمة، وصراع ممتد له أبعاد إقليمية ودولية. ومن منظور استراتيجي، تمثل غزة حالة نموذجية لاستخدام الأدوات غير المباشرة في إدارة الصراعات، حيث يُستخدم الضغط الاقتصادي والإنساني كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية. وقد ترافق ذلك مع طرح تصورات متعددة حول إعادة ترتيب المشهد في القطاع، سواء من خلال ترتيبات أمنية جديدة أو مقاربات سياسية تتجاوز الإطار التقليدي للحل. إلا أن هذه الطروحات تثير إشكاليات قانونية جوهرية تتعلق بمبدأ عدم جواز التهجير القسري، وضرورة حماية السكان المدنيين أثناء النزاعات المسلحة وفقاً لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني. كما أن أي محاولة لتغيير الواقع الديمغرافي أو السياسي بالقوة من شأنها أن تؤدي إلى تداعيات طويلة الأمد على الاستقرار الإقليمي.
ثالثاً : التشابه بين غزة وجرين لاند
رغم الفوارق الواضحة بين جرين لاند وغزة، فإن التحليل يكشف عن نقاط تقاطع مهمة، من أبرزها الآتي:
١- الموقع الاستراتيجي:
كلتا المنطقتين تمثلان قيمة جيوسياسية عالية في محيطهما الإقليمي.
٢- اختبار رد الفعل الدولي:
في الحالتين يتم قياس حدود الرفض أو القبول الدولي لأي تغييرات مقترحة.
٣- تراجع دور القانون الدولي:
حيث تُقدَّم الاعتبارات السياسية والأمنية على الالتزامات القانونية.
٤- مركزية العامل السكاني:
سواء من حيث التقليل من أهميته أو اعتباره متغيراً قابلاً لإعادة التشكيل.
هذا التشابه لا يعني التطابق، لكنه يسلط الضوء على نمط متكرر في السلوك الدولي المعاصر.
رابعاً : من فنزويلا إلى غزة •• أدوات الضغط وإدارة الأزمات الداخلية
تُظهر تجارب دولية أخرى، مثل الحالة الفنزويلية، كيف يمكن استخدام العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية كوسيلة لإحداث تغييرات داخلية. ورغم اختلاف السياقات، فإن القاسم المشترك يتمثل في تدويل الأزمات الداخلية وتحويل المعاناة الاقتصادية إلى ورقة تفاوض سياسي. وفي الحالة الفلسطينية، تتضاعف خطورة هذا النهج بسبب وجود احتلال طويل الأمد، ما يجعل أي تدهور إنساني عاملاً إضافياً في تعقيد الصراع بدلاً من حله.
خامساً : الإطار القانوني الدولي •• الالتزامات والتحديات
ينص القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949، على مجموعة من الالتزامات الواضحة، من بينها:
- حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة
- حظر العقوبات الجماعية
- منع التهجير القسري للسكان
كما تؤكد قرارات الأمم المتحدة على حق الشعوب في تقرير مصيرها وضرورة احترام السيادة الوطنية. إلا أن التحدي الأساسي يكمن في آليات التنفيذ، حيث تعاني المؤسسات الدولية من حالة شلل نسبي نتيجة الخلافات السياسية بين الدول الكبرى. هذا الواقع يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام الدولي وقدرته على الحفاظ على الحد الأدنى من الشرعية والفعالية.
سادساً : الأبعاد الاجتماعية والإنسانية
لا يمكن فصل التحليل الاستراتيجي عن البعد الاجتماعي، إذ إن استمرار الأزمات الإنسانية يؤدي إلى:
- تآكل النسيج الاجتماعي
- تصاعد مشاعر الإحباط وعدم الاستقرار
- خلق بيئات خصبة للتطرف والعنف
ومن ثم فإن معالجة الأزمات من منظور أمني صرف تُعد مقاربة قاصرة، ما لم تُدمج مع سياسات تنموية وإنسانية شاملة.
سابعاً : التوصيات الاستراتيجية لصانع القرار
١- على المستوى العربي
- تعزيز التنسيق السياسي والدبلوماسي
- دعم المسارات القانونية الدولية
- الاستثمار في أدوات القوة الناعمة
٢- على المستوى الإسلامي
- توحيد الخطاب السياسي في المحافل الدولية
- دعم المبادرات الإنسانية والتنموية
٣- على المستوى الأوروبي والدولي
- تبني مقاربة متوازنة تحترم القانون الدولي
- ربط الشراكات السياسية والاقتصادية بالالتزامات الحقوقية
٤- على مستوى الأمم المتحدة
- تفعيل آليات الحماية الدولية
- دعم التحقيقات المستقلة
- تقليص آثار الشلل المؤسسي عبر صيغ بديلة مثل “الاتحاد من أجل السلام”
في النهاية، يمكن القول إن الربط بين جرين لاند وغزة لا يهدف إلى المقارنة المباشرة بقدر ما يسعى إلى فهم التحولات العميقة في منطق إدارة الصراع الدولي. فالعالم اليوم يقف أمام مفترق طرق •• إما إعادة الاعتبار للقانون الدولي كمرجعية حاكمة، أو القبول بمنطق القوة كقاعدة منظمة. وتشير التجارب المعاصرة إلى أن تجاهل حقوق الشعوب، مهما كان ممكناً على المدى القصير، يحمل في طياته بداية عدم الاستقرار على المدى الطويل. ومن هنا فإن مسؤولية صانع القرار لا تقتصر على إدارة الأزمات، بل تمتد إلى حماية المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي ذاته.




