توبكُتّاب وآراء

لواء د. أحمد زغلول مهران يكتب لـ « 30 يوم»: الفراغ الضاغط .. هل يهدد ميناء بربرة الأمن في القرن الإفريقي؟

لم تعد النزاعات المسلحة في المنطقة تُدار داخل حدود الدول فقط، بل امتدت آثارها إلى الموانئ وخطوط التجارة والممرات البحرية الحيوية.

وفي هذا السياق، يبرز ميناء بربرة في القرن الإفريقي كأحد المواقع التي تستدعي قراءة متأنية، ليس من باب الاتهام، وإنما من زاوية تقدير المخاطر الاستراتيجية الناتجة عن غياب الرقابة الصارمة في المناطق المضطربة، بالتزامن مع استمرار الحرب في السودان.

هذا التحليل لا يستند إلى معلومات استخباراتية أو ادعاءات مباشرة، بل يعتمد على قراءة الواقع الإقليمي وطبيعة التفاعلات الدولية، وما أفرزته النزاعات المشابهة تاريخيًا.

ميناء بربرة: موقع يتجاوز الوظيفة التجارية:

يقع ميناء بربرة في نطاق جغرافي شديد الحساسية، قريب من مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين الملاحة العالمية. هذا الموقع يمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز دوره الاقتصادي ليصبح عنصرًا مؤثرًا في:

١. أمن البحر الأحمر.

٢. حركة التجارة الدولية.

٣. توازنات النفوذ في القرن الإفريقي.

وتاريخيًا، كانت الموانئ في هذه المنطقة محط اهتمام قوى دولية متعددة، ليس فقط لأغراض تجارية، ولكن لاعتبارات أمنية ولوجستية مرتبطة بالصراعات الإقليمية.

الحرب في السودان والامتداد غير المباشر للصراع:

أفرزت الحرب المستمرة في السودان حالة تفكك أمني واسع، صاحَبَها ضعف السيطرة المركزية وتزايد نفوذ التشكيلات المسلحة غير النظامية.

وفي مثل هذه المناطق، تشير الخبرات الدولية إلى أن المسارات اللوجستية البديلة، سواء برية أو بحرية، تصبح عرضة للاستخدام من أطراف تسعى لتأمين احتياجاتها بعيدًا عن الرقابة التقليدية.

ومن هنا يبرز القلق من تحول بعض الموانئ الإقليمية إلى نقاط عبور محتملة، دون وجود ما يثبت بالضرورة وقوع ذلك، لكن في ظل غياب آليات رقابة شفافة ومعلنة، يظل الاحتمال قائمًا.

من التقدير الاستراتيجي: متى يصبح الخطر محتملًا؟

القاعدة التحليلية هنا واضحة:

غياب الدليل لا يعني غياب الخطر، لكن غياب الرقابة يرفع منسوب المخاطرة. وفي حالات النزاع الممتد، تصبح الموانئ ذات الاستخدام المدني عرضة للآتي:

١. الاستغلال غير المباشر.

٢. التوظيف اللوجستي غير المعلن.

٣. التحول إلى نقاط تأثير في مسار الصراع.

وهو ما يستدعي التعامل مع المسألة باعتبارها قضية وقائية، لا أزمة قائمة بالفعل.

الأمن القومي المصري: لماذا تمثل هذه التطورات مصدر قلق؟

تنظر مصر إلى محيطها الجنوبي والبحر الأحمر باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي. فاستقرار السودان ليس مسألة تضامن سياسي فقط، بل ركيزة أساسية لأمن:

  • الحدود الجنوبية
  • الملاحة في البحر الأحمر
  • التوازن الاستراتيجي في حوض النيل

وأي تطور يسمح بتعميق الفوضى أو إطالة أمد النزاع في السودان ينعكس بالضرورة على البيئة الأمنية الإقليمية التي تتحرك فيها مصر.

القوى الدولية غير العربية: حضور متزايد وحسابات معقدة

تشهد منطقة البحر الأحمر اهتمامًا متناميًا من قوى دولية، من بينها الولايات المتحدة وإسرائيل، في إطار اعتبارات تتعلق بالآتي:

١. أمن الملاحة الدولية.

٢. مكافحة التهديدات العابرة للحدود.

٣. حماية المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى.

ولا يهدف هذا التحليل إلى ربط هذه الأطراف بشكل مباشر بأي دعم لطرف بعينه في النزاع السوداني، لكنه يشير إلى أن تعدد الفاعلين الدوليين، في غياب إطار أمني إقليمي جامع، يؤدي إلى:

  • تدويل الأزمات المحلية
  • تعقيد فرص التسوي
  • تأخير القرار العربي

وهي معادلة ظهرت في أكثر من ساحة نزاع.

البحر الأحمر: من ممر تجاري إلى مسرح تنافس

يمثل البحر الأحمر نقطة التقاء لمصالح دولية متشابكة، ومع تصاعد الأزمات في محيطه الجنوبي، تتزايد احتمالات:

١. تهديد أمن الملاحة.

٢. توسيع نطاق الصراعات غير المباشرة.

٣. استغلال الفراغات الأمنية في الدول المطلة.

وهنا لا تكمن الخطورة في ميناء بعينه، بل في غياب منظومة إقليمية قادرة على ضبط استخدام البنية التحتية الحيوية في أوقات الأزمات.

قراءة استشرافية: ماذا يحدث إذا استمر الوضع؟

تشير الخبرات الدولية إلى أن استمرار النزاعات دون أطر ضبط إقليمية قد يؤدي إلى:

  • تحويل الموانئ المدنية إلى أدوات ضغط غير مباشرة
  • تعميق نفوذ الجهات غير الحكومية
  • إطالة أمد الصراعات واستنزاف الدول المجاورة

وهو سيناريو لا يخدم استقرار المنطقة ولا مصالح شعوبها.

في النهاية، يمكن القول إن التحذير المبكر أفضل من الصمت المتأخر. لا يهدف هذا الطرح إلى توجيه اتهامات، بل إلى إطلاق إنذار تحليلي مبكر؛ فالخطر الحقيقي لا يكمن في طرف محدد، وإنما في الفراغ الرقابي، وتعدد المصالح، وغياب التنسيق الإقليمي.

إن حماية السودان، والحفاظ على الأمن القومي المصري، وأمن البحر الأحمر كمنطقة استقرار، تتطلب:

١. وعيًا استراتيجيًا مبكرًا

٢. تنسيقًا عربيًا فعّالًا

٣. إجراءات وقائية تسبق الأزمات بدلًا من التعامل مع نتائجها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى