كُتّاب وآراء

د . هدى محمد عبد الرحمن تكتب : الوقوف مع الحق شرف لا يمنحه الله لذليل 

في الواقع العربي لا تكمن المأساة في غياب الحق، بل في غياب الجرأة على قوله. فالحق معروف، محفوظ، ومتداول همسا، وبكل أسف أخلاقي! لكنه حين يطلب منه أن يخرج إلى العلن، يتحول فجأة إلى عبء ثقيل، لا إلى قيمة نبيلة . هنا يظهر الفارق بين من يعرف الحق، ومن يمتلك شرف قوله.

وبكل اسى وحزن عميق , أنتجت ثقافتنا السياسية إنسانا يتقن الصمت أكثر مما يتقن الكلام، لا لأن الصمت حكمة دائما، بل لأن السلامة الشخصية تحولت إلى قيمة عليا، تسبق العدالة، وتعلو على الكرامة. فصار السؤال السائد ليس هل هذا حق، بل هل قول هذا الحق آمن. ياللعار!

والجدير بالذكر, أنه قد تنبه الفلاسفة السياسيون مبكرا لهذا الانحراف. فمثلا سقراط لم يقتل لأنه أخطأ، بل لأنه قال ما لا يجب قوله في نظر السلطة. اختار قول الحقيقة على النجاة، فدفع حياته ثمنا، لكنه رسخ قاعدة فلسفية خطيرة، أن الصمت قد يطيل العمر، لكنه يفرغه من المعنى.

أما أفلاطون, فقد  رأى أن اخطر ما يصيب المدينة ليس ظلم الحكام فقط، بل صمت العقلاء. حين يعرف الحكماء الحقيقة ويختارون السلامة، يتركون المجال للجهلاء ليتكلموا باسم الجميع. وهكذا لا يسود الباطل لأنه قوي، بل لأن الحق خرس, ومات فارسه على فرسه , فضاع الحق.

وكذلك نجد ارسطو ميز بين الفضيلة النظرية والفضيلة العملية. فمعرفة الصواب لا تصنع إنسانا فاضلا، بل القدرة على فعله في اللحظة التي يكون فيها مكلفا ومسؤولا على قول الحقيقة وحمل أمانة الكلمة . وقول الحق في السياسة هو اعلى اشكال الفعل الاخلاقي، لأنه يضع صاحبه في مواجهة مباشرة مع الخسارة.القريبة قبل البعيدة, فصاحب الحق لا يبالي بأي خسارة, لأنها مكسب لنفسه

وهذا مكيافيللي, نجده  يكشف بلا مواربة أن السلطة لا تعاقب على التفكير، بل على الكلام,. تخيلوا على الكلام،  يمكنك أن تعرف كل شيء، ما دمت صامتا. أما حين تقول، فأنت تهدد منظومة الخوف. لذلك تكافئ السلطة الصامتين، وتخيف المتكلمين، حتى يتحول الصمت إلى فضيلة وطنية.

أما في العالم العربي، لم يعد الصمت موقفا فرديا، بل ثقافة عامة. يطلب من المواطن أن يكون حكيما، ومن المثقف أن يكون متزنا، ومن القانوني أن يكون واقعيا. وكل هذه الصفات ليست سوى أسماء مهذبة للسكوت عن الحق. وهنا تتحول السلامة الشخصية من حق طبيعي إلى ذريعة اخلاقية.

وأتذكر جيدا قول حنة ارندت, حين  شرحت كيف يصبح الشر عاديا، لا حين يكذب الناس، بل حين يمتنعون عن الكلام. فالظلم لا ينتشر فقط بفعل من يمارسه، بل أيضا بفعل من يراه ويسكت عنه. الصمت المتكرر لا يحمي صاحبه، بل يدمجه في البنية التي ينتقدها سرا.

وما أريد أن أقوله  بصدق , أن قول الحق لا يحتاج إلى بطولة اسطورية، بل إلى حد ادنى من الاستقامة والضمير الحي

والظلم لا يحتاج إلي جلاد بل يكفيه جمهور صامت، فالسكوت هنا ليس جيدا ، بل انحياز مقنعا، يمنح الظلم استمراريته، وبالتالي لا يحتاج الظلم الا الي صمت فقط.

لكنه في بيئة تخاف الكلمة، يصبح فعلا سياسيا بامتياز. ولهذا يحارب، لا لأنه خطير في ذاته، بل لأنه يكسر قاعدة غير مكتوبة، اعرف ولا تتكلم.

وأتمنى من الله أن يجعلنى في صف الحق , ولا يجعلنى في موقف الذليل , فالذليل ليس من خاف مرة، بل من جعل خوفه مبدأ. من أعاد تعريف الحكمة لتناسب صمته، ومن هاجم من قال الحق بحجة أنه لم يحسب العواقب. وكأن العواقب تبرر التخلي عن الشرف.

أما من يقول الحق، فهو لا يفعل ذلك لأنه لا يريد السلامة، بل لأنه يرفض أن تكون السلامة على حساب ضميره. وقد يخسر منصبا، أو فرصة، أو أمنا مؤقتا، أو أشخاص غاليين, لكنه يحتفظ بما هو اخطر على الظلم، صوته.

لهذا كان قول الحق شرفا لا يمنحه الله لذليل. لأن الذليل قد يعرف الحق اكثر من غيره، لكنه لا ينطقه. والحق الذي لا يقال، لا يغير شيئا، ولا يحمي احدا، ولا يشهد لصاحبه يوم الحساب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى