توبكُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: الجسد ولغاته المتعددة

يقول الله تعالى في محكم تنزيله: “وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ”، آية كريمة تدعونا إلى التأمل في هذا الكيان العجيب الذي نسكنه، هذا الجسد الذي يحمل بين طياته لغات متعددة، يتحدث بها في كل لحظة، معبرًا عن أحوال لا يستطيع اللسان أن يفصح عنها.

الجسد ليس مجرد وعاء للروح، بل هو كتاب مفتوح يروي قصصًا لا تنتهي. إنه يتكلم حين نصمت، ويصرخ حين نكتم، ويهمس بأسرار نظن أننا نخفيها. في كل نبضة قلب، وفي كل رعشة يد، وفي كل تنهيدة صدر، تكمن لغة خاصة تحكي عن العالم الداخلي للإنسان.

في الولادة، يتحدث الجسد لغة الخلق والإبداع الإلهي. إنها لحظة يتجلى فيها سر الحياة في أبهى صوره، حيث يتحول الجسد إلى بوابة يعبر منها كائن جديد إلى الوجود. الآلام التي تعتصر الأم ليست مجرد أوجاع، بل هي صرخات ميلاد، لغة قديمة قدم البشرية تنطق بها كل أم منذ حواء. الانقباضات التي تشد الرحم، العرق الذي يتصبب، الأنفاس المتلاحقة، كلها رسائل يبعثها الجسد ليعلن: “الحياة قادمة، استعدوا لمعجزة جديدة”. وحين تخرج الروح الجديدة إلى الدنيا، وتعلو صرخة المولود الأولى، يصبح جسد الأم شاهدًا على قدرة الخالق، وعلى أن الحياة تنتصر دائمًا. في هذه اللحظة، الجسد يتكلم لغة الأمل والاستمرار، لغة الخلود في الذرية.

في المرض، يتحدث الجسد لغة الألم والاستغاثة. يرسل إشاراته عبر الأوجاع والأعراض، كأنما يناشد صاحبه أن يستمع إليه، أن يتوقف عن الإهمال. الشحوب الذي يعتري الوجه، الارتعاشة التي تسري في الأطراف، السعال الذي يهز الصدر، كلها رسائل يبعثها الجسد ليقول: “انتبه إلي، أنا بحاجة إلى العناية”. في هذه الحالة، يصبح الجسد شاهدًا على هشاشة الإنسان وضعفه، مذكرًا إياه بأنه مخلوق من تراب، وإلى التراب يعود.

أما في الخوف، فللجسد لغة أخرى أكثر صراحة وأشد وضوحًا. يتسارع نبض القلب كأنه يحاول الهروب من القفص الصدري، تتصبب الجبهة عرقًا باردًا، تجف الحلوق، وترتعش الأيدي. العينان تتسعان بحثًا عن مصدر التهديد، والعضلات تتوتر استعدادًا للمواجهة أو الهروب. الخوف يحول الجسد إلى آلة إنذار حية، تعلن حالة الطوارئ في كل خلية من خلاياه. وحتى حين نحاول إخفاء خوفنا، يفضحنا جسدنا بلغته التي لا تكذب.

وفي الحب، يتحول الجسد إلى شاعر يتغنى بأجمل الألحان. تتورد الخدود خجلًا، تلمع العينان بريقًا خاصًا، وترتسم على الشفاه ابتسامة لا إرادية حين يمر ذكر الحبيب. القلب ينبض على إيقاع مختلف، والأنفاس تضطرب في حضرة المحبوب. حتى طريقة المشي تتغير، والصوت يكتسب نبرة أكثر رقة ودفئًا. الحب يجعل الجسد يرقص حتى وهو ساكن، ويغني حتى وهو صامت. إنها لغة الفرح والانجذاب، لغة الرغبة في القرب والاتصال.

ولكن أعمق لغات الجسد وأكثرها غموضًا هي تلك التي يتحدث بها عند الموت وخروج الروح. في تلك اللحظة الفاصلة بين الدنيا والآخرة، يصبح الجسد مسرحًا لدراما كونية عظيمة. ترتخي العضلات تدريجيًا، كأنما تستسلم لقدر محتوم. الأنفاس تتباطأ، تصبح متقطعة، كأن الروح تتردد بين البقاء والرحيل. الوجه يتغير، ملامحه تنطق بكلمات لا يفهمها إلا من اقترب من هذه اللحظة. البعض يرى سكينة تعتري المحتضر، والبعض يلمح صراعًا أخيرًا بين الروح والجسد.

وحين تخرج الروح أخيرًا، يسكت الجسد سكوتًا مطلقًا. يتوقف القلب عن النبض، تتجمد الملامح، تبرد الأطراف. يصبح الجسد مجرد غلاف فارغ، شاهدًا صامتًا على رحلة انتهت. لكن حتى في هذا الصمت المطبق، يظل الجسد يتحدث، يروي قصة حياة عاشها، ويذكر الأحياء بحقيقة واحدة: أن كل نفس ذائقة الموت.

إن التأمل في هذه اللغات المتعددة للجسد يقودنا إلى فهم أعمق لأنفسنا. نحن لسنا مجرد عقول تفكر أو أرواح تحلق، بل كائنات متكاملة يتشابك فيها الجسد والنفس والروح في نسيج واحد معقد. كل ما نشعر به داخليًا يترجمه الجسد إلى علامات خارجية، وكل ما يصيب الجسد يؤثر في النفس والروح.

من الولادة إلى الموت، من الصرخة الأولى إلى النفَس الأخير، يظل الجسد يروي حكايته بلغات شتى. إنه يحتفل في الفرح، ويتألم في الحزن، ويخاف عند التهديد، ويزهر في الحب، ويتعب في المرض، ويستسلم في النهاية للقدر المحتوم.

لذا، فإن الاستماع إلى لغة الجسد ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة إنسانية. علينا أن نتعلم كيف نقرأ رسائله، كيف نفهم إشاراته، كيف نستجيب لنداءاته. الجسد يعلمنا التواضع في الصحة، والصبر في المرض، والشجاعة في مواجهة الخوف، والصدق في التعبير عن الحب، والامتنان في لحظة الولادة، والاستعداد للقاء الحق في كل لحظة.

“وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ”، دعوة إلهية للنظر في آيات الله في أجسادنا، لاكتشاف هذا الكون الصغير الذي نحمله، والذي يعكس عظمة الخالق وإبداعه. فالجسد بلغاته المتعددة هو معلمنا الأول، ودليلنا إلى فهم أنفسنا وفهم الحياة والموت، وما بينهما من رحلة قصيرة نسميها العمر.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.

 اقرأ أيضا

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: السياحة تبدأ من الفصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى