أحمد النبوي يكتب لـ «30 يوم»: سبحتك فين ياحكومة؟
تصريحات الحكومة الأسبوعية وهي تتحدث عن الإنجازات والخطط والاستراتيجيات التي تتبعها، وما يتم تنفيذه على أرض الواقع، والنجاحات التي وصل لها الاقتصاد، تجعلنا نفكر مليون مرة: هل هذه الحكومة تعيش معنا كمواطنين، أم أننا كمواطنين نعيش في وطن آخر غير الذي يتحدثون عنه؟
في البداية يجب أن أعترف أن هناك مشروعات وإنجازات تُنفذ على أرض الواقع، وأن مصر بها طفرة في عدد من المجالات، ولكن ما زال هناك الكثير ينتظره المواطن من الحكومة لكي يشعر بالحياة، خصوصًا أن الأغلبية من الشعب تعاني من حالة الضغوط المادية، وهو ما يتنافى مع فرحة معالي رئيس الوزراء المصري عندما يتحدث عن النجاح الكبير، وعن انخفاض الدين، أو افتتاح المصانع، أو انخفاض سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري، وكيف تعمل الدولة على توفير الدولار من أجل استمرار الاستقرار الاقتصادي.
ورغم أنني لست خبيرًا اقتصاديًا، فإن كلام الخبراء يقول (ألا تجري خلف خفض الدولار)، وعليك أن يكون هدفك (رفع قيمة الجنيه نفسه) بالإنتاج والصناعة والتصدير، وليس بسياسة جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية فقط، لأن في النهاية المواطن هو من يدفع الفاتورة وحيدًا. وهذا الحديث لا ينظر له رئيس الوزراء، ولكنه يقدم وعودًا للمواطن، ولا نعرف متى تفي الحكومة بتلك الوعود؟
هل بانتهاء الأزمة، أم بانتهاء عمر الحكومة نفسها لتأتي حكومة أخرى وتبدأ من جديد، وعلينا أن نتحمل مزيدًا من السنوات؟
أنا هنا أتحدث كمواطن مصري غيور محب لبلده، مثله مثل الملايين التي خرجت في 30 يونيو للحفاظ على هذا الوطن من الجماعة الإرهابية، وأعي جيدًا ما مرت به البلاد من حروب خلال السنوات الماضية وما زالت مستمرة، وأقف في خندق واحد مع الجمهورية الجديدة التي نحلم أن تستكمل بناءها، ولكن على الحكومة أن تنظر أكثر، وتبذل جهدًا أكبر في رفع المعاناة عن المواطن، وأن تعمل على ضبط الأسعار في الأسواق على الأقل.
فمثلًا، رغم انخفاض سعر الدولار نسبيًا، لم يشهد المواطن انخفاضًا فعليًا في الأسعار، بل على العكس، الزيادة مستمرة دائمًا، وذلك لانعدام وجود ضبط للأسواق، وانخفاض الأسعار نسمع عنه فقط في التصريحات الحكومية.
وهذه النقطة تعود بنا إلى قضية هامة جدًا، وهي محاربة الفساد في مصر، والذي كان مثل السرطان في العقود السابقة، واستطاع الرئيس السيسي أن يحدّ من هذا الفساد من خلال إنشاء الأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد، أو تعديل قانون هيئة الرقابة الإدارية، وغيرها من الاتفاقيات أو الإجراءات خلال السنوات العشر الأخيرة.
ولكن من يتابع صفحات الحوادث في الجرائد أو في المواقع الصحفية سيجد أن هناك عودة مرة أخرى للفساد في المحافظات والوزارات بشكل يتنامى، مثل القبض على مديرة المكتب الفني بمديرية الإسكان بالقاهرة بتهمة الرشوة داخل مكتبها، أو القبض على رئيس جهاز مدينة جديدة بتهمة تقاضي رشوة بقيمة 3 ملايين جنيه، أو إحباط محاولة استيلاء على 400 فدان أراضي دولة بمستندات مزورة، أو ضبط مديرًا بحي في القاهرة بتهمة تلقي الرشوة، وغيرها من القضايا التي تمتلئ بها صفحات الحوادث.
وخبر ضبط سائق محافظ الدقهلية وشريك له وبحوزتهما أقراص مخدرة بـ3 ملايين جنيه، والمضحك المبكي في الأمر أن قبل هذا الخبر بيومين فقط كان المحافظ يشارك بنفسه في إحدى الحملات على الطرق للكشف عن السائقين الذين يتعاطون المخدرات.
وهذه القضايا وغيرها من الكثير تكشف لنا الواقع الذي نعيش فيه، كما أنها تكشف لنا أيضًا أن وزارة الداخلية متيقظة وتعمل في صمت، بجانب الأجهزة الرقابية في مصر، وأنا على يقين كامل أن الدولة لا تحمي الفساد كما كان يحدث في الماضي.
ولكن على رئيس مجلس الوزراء متابعة تلك القضايا وتحليلها، ووضع خطط واستراتيجيات للحد منها بأكبر قدر ممكن، نظرًا لأنه لا توجد دولة في العالم تستطيع القضاء الكامل على الفساد. وأتمنى من رئيس الوزراء عدم تشكيل لجان لبحث القضية، وتنبثق منها لجان فرعية، ولجنة من لجنة، حتى تضيع القضية.
وهنا أتذكر كتاب (وصف مصر بـ«الجريمة») للكاتب الصحفي الكبير نبيل عمر، والذي صدر في عام 2018، ويجيب عن تساؤل خطير، وهو: ماذا حدث في قاع المجتمع خلال ربع قرن، من خلال رصد الجرائم وأشكالها؟ وهنا أهتم بالمحور الثاني بالكتاب بعنوان «فساد وكساد جدًا»، ويتحدث عن جرائم الفساد في مصر وكيف ينمو ويترعرع في المجتمع.
وعلى الحكومة أن تقرأ هذا الكتاب قبل أن تضع أي خطط للقضاء على الفساد، وألا تكتفي بالرد بأن هذا دور وزارة الداخلية والأجهزة الرقابية، فهذا الرد يعد هروبًا من المسؤولية أو جهلًا بها. وعلى الحكومة أن تجيب على التساؤل: لماذا يعود الفساد والرشاوى للظهور مرة أخرى على الساحة؟
طرق محاربة الفساد والرشاوى كثيرة جدًا، وأهمها ضبط أسعار السلع بالأسواق حتى يشعر بها المواطن، من خلال حملات يومية مستمرة في كل قرية، وليست مدينة أو بعض الأحياء فقط، يشارك بها كل جهات الدولة المختصة، بشرط عدم الإبلاغ المسبق للتجار وأصحاب المحلات بمواعيد الحملات، وإغلاق المحلات وقت مرور الحملة.
يجب على الحكومة أن تعيد بناء الثقة مع المواطن المصري بالفعل، وليس بالتصريحات الوردية في مؤتمر صحفي أسبوعي.
موضوعات ذات صلة
أحمد النبوي يكتب لـ «30 يوم»: التفكير مدمر للصحة أكثر من التدخين
أحمد النبوي يكتب لـ «30 يوم»: الصحافة ليست رجسًا من عمل الشيطان




