أحمد النبوي يكتب لـ «30 يوم»: التفكير مدمر للصحة أكثر من التدخين
في مساء أحد أيام الشتاء الباردة، جلست أفكر مع نفسي في طريقة جديدة لكي أقلع عن التدخين، وهي العادة التي ارتبطت معي بشرب القهوة منذ صغري.
وهنا، شرب القهوة ليس له علاقة بالصحافة كما يظهر في الأعمال الفنية، حيث نرى الصحفي دائمًا يشرب القهوة والسجائر كدليل على التفكير العميق وإحضار الذهن.
فأنا أشرب القهوة منذ كنت طفلاً صغيراً، وقد تعلمتها من جدي وجدتي لأمي قبل أن أدخن بسنوات طويلة.
وقد هداني تفكيري إلى التوقف عن التدخين كمحاولة للحفاظ على صحتي في سنوات عمري الأخيرة، خاصة أنني لن أعيش نصف ما عشت من عمري بأفضل الاحتمالات.
كما فكرت أن أحافظ على ثمن السجائر وأشتري بدلاً منها شيئاً مفيداً، أو حتى أمنح ثمنها لزوجتي لتساعد في مصروف البيت مع الارتفاع الدائم للأسعار بشكل مستفز لا يتحمله المواطن العادي مثلي.
وهنا توقفت طويلاً أفكر في كلام كل من حولي وشكواهم من ارتفاع أسعار المعيشة مع حالة ثبات المرتبات.
وكانت مفاجأة لي عندما تحدثت لأحد أصدقائي من رجال الأعمال، أو بمعنى أصح صاحب مصنع وله منتجات شهيرة في الأسواق، عن ارتفاع الأسعار. وذهلت من رده علي بأنه يعاني هو أيضاً، وأنه لم يعد هناك مكسب من المصنع كما في الماضي، وأن الدخل يغطي المصروفات نظراً لارتفاع سعر الدولار.
ولم أعرف كيف أرد عليه، وهل أضحك أم أبكي وحضر إلى ذهني زميل من العمل أعرف أنه يعمل في وظيفتين وزوجته أيضاً تعمل وجلست أفكر كم يحتاج في الشهر لكي يطعم أسرته، وهو لديه ولد وبنت في مراحل التعليم الإعدادي والثانوي؟ وهنا، عزيزي القارئ، وجدت نفسي متلبساً في المطبخ أعمل كوب قهوة وأشعل سيجارة لكي أفكر كم تحتاج أسرة من الحد الأدنى من الحياة كل شهر لكي تعيش؟
في البداية نحسبها على الطعام، ولا تذهب بفكرك بعيداً، فلا وجود للحم أو الفراخ أو السمك أو الخضروات، وعلينا أن نكتفي بسندوتشات فول وطعمية بالسلطة في الوجبات الثلاث. وهذا ليس حباً، ولكن لأنهم أرخص فأقل سندوتش فول وطعمية بعشرة جنيهات (رغم انكماش حجمه)، ولكن لنقل إن كل فرد سوف يتناول ثلاث سندوتشات في كل وجبة، بمعدل 90 جنيهاً للفرد في اليوم و3 شاي بعشرة جنيهات يومياً، يصبح تكلفة المأكل فقط للأسرة 400 جنيه يومياً، بمعدل 12 ألف جنيه شهرياً فول وطعمية، وممنوع البطاطس أو البيض أو حتى المخلل، والمشروب الرسمي 3 شاي في اليوم لكل فرد، وممنوع القهوة أو النسكافيه أو المياه الغازية أو أي شيء آخر من الابتكارات الجديدة التي لا أعرف مسمياتها، ولا وجود لأي نوع فاكهة أو خضروات.
ولأن الأسرة يجب أن تجتمع معاً تحت سقف بيت يحميهم، فلنقل إنهم يعيشون في شقة صغيرة إيجارها قديم لا يتخطى الألف ونصف الألف جنيه، وأن تكلفة الخدمات الشهرية كحد أدنى مثلهم أيضاً (كهرباء ومياه وغاز)، مع العلم أنه لا يوجد تكييف ولا أجهزة كثيرة تستهلك كهرباء، كما أن الغاز للبوتاجاز لعمل الشاي وللسخان للاستحمام فقط. إذن هناك زيادة ثلاثة آلاف جنيه على 12 ألفاً للأكل، يصبح المجموع 15 ألف جنيه شهرياً.
وهنا ننتقل إلى بند المواصلات اليومية للأسرة من أجل الذهاب إلى العمل والمدارس. وطبعاً لن أتحدث عن تاكسيات بأسمائها الجديدة وتطبيقاتها، ولكني سوف أتحدث عن أرخص وسيلة مواصلات طبقاً للمنطقة التي يعيشون فيها، سواء كانت المترو أو الميكروباص إن كان أرخص من الأتوبيس الحكومي. ولنضع للأسرة تحت بند مواصلات شهرياً بقيمة 4 آلاف جنيه ذهاباً وعودة، ليصبح إجمالي المطلوب شهرياً 19 ألف جنيه أولويات فقط حتى الآن.
ولنبدأ في الترف الذي تعيشه الأسرة، وليكن مع التعليم في المدارس الحكومية (المجانية سواء مادياً أو تعليمياً). وهنا سوف نضع مبلغ ألف جنيه شهرياً فقط على الدروس الخصوصية للأبناء بواقع 500 جنيه شهرياً لكل طفل. وأعلم أن هذا المبلغ لا يكفي درساً خصوصياً واحداً في الأسبوع، وهناك أماكن الحصة الواحدة بـ 500 جنيه، ولكن لا تكن دقيقاً جداً في الأسعار، وتذكر أننا نتخيل أسرة تعيش على الحد الأدنى في كل شيء. وهكذا نصل لمبلغ 20 ألف جنيه شهرياً.
ونكمل في الترف الأسري بوجود موبايلات مع كل واحد من أفراد الأسرة، ولن أضيف الأسعار الخاصة بتلك الهواتف، ولكن سوف أحسب فقط قيمة المكالمات وكروت الشحن شهرياً بـ 500 جنيه للأسرة، نظراً لأنها تليفونات قديمة ولا يوجد بها نت أو تطبيقات، بمعنى تليفون صغير الذي كان ثمنه 200 جنيه قبل التعويمات.
ولأن الأسرة تؤمن بأن النظافة من الإيمان، فإن استهلاكها من الصابون ومسحوق الغسيل كثير وقد تصل تكلفته إلى 500 جنيه شهرياً وقد يرى البعض أن هذا “بذخ مفرط” لا يتناسب مع الحد الأدنى الذي تعيش فيه الأسرة، وأقول لك لا تتسرع في الحكم القاسي وتتهم تلك الأسرة بالبذخ، لأن الصابونة تستخدم في غسل اليدين والاستحمام وغسل أكواب الشاي، كما أن سبب استخدام مسحوق الغسيل كثيراً نظراً لقلة الملابس، وهو البند القادم الذي سنتحدث عنه بعد أن نكون وصلنا لمبلغ 21 ألف جنيه شهرياً.
وللملابس حسابه أخرى نضعها سنوياً ونقسمها على الأشهر بالعدل وسوف نعفي منها الأب والأم نظراً لأنهم يملكون ملابساً من زمان ومازالت جيدة وتستخدم، ويمكن إصلاحها على الموضة عند أي ترزي ولن نحسب تلك التكلفة ونكتفي بالأبناء زي مدرسي واحد لكل طفل، وعدد اثنين بنطلون، واثنين قميص، وعدد اثنين بلوفر شتوي. وليكن ثمنهم ألفين و400 جنيه، ونقسمهم شهرياً 200 جنيه ومثلهم لملابس المدرسة، والتي أصبحت المدارس الحكومية تتعاقد أو تصنع هي هذا الزي لكي تستفيد وتكسب أيضاً، يصبح المجموع مقسوماً على أشهر السنة 400 جنيه شهرياً ولن نشترِ ملابس للبيت فالملابس القديمة نستخدمها حتى لو كانت صغيرة أو شرابات ولكن الملابس الداخلية لا غنى عنها، ونضع لها 100 جنيه شهرياً، يصبح المجموع 500 جنيه في الشهر، ليكون المجموع 21 ألفاً وخمسمائة جنيه شهرياً.
وهنا ندخل في حسابه أخرى وهي الأحذية، والتي تستهلك أكثر، فنشترى لكل فرد في الأسرة حذائين سنوياً، وأرخص حذاء 200 جنيه ونحسب أن 8 أزواج بألفي جنيه فقط، بمعدل يقارب 200 جنيه شهرياً ليصبح مجموع ما تنفقه الأسرة شهرياً 21 ألفاً و700 جنيه. ولا تنس عزيزي القارئ لا وجود للحم أو الفراخ أو الأسماك أو الخضروات، ولا الفاكهة ولا زيت ولا أرز ولا عدس ولا حتى سكر، فالشاي سادة بدون لبن أو سكر، ولا يوجد بند لأي علاج.
بالطبع لا يوجد بيننا من يعيش بهذا الشكل فعلياً، ولكنها مجرد حسابه تقريبية لمصروفات أسرة شهرياً الأب يعمل موظفاً والأم كذلك، ويحصلون على الحد الأدنى للأجور كاملاً بدون خصم أي ضرائب أو تأمينات، فمجموع مرتبهم 14 ألف جنيه، والأب يعمل عملاً إضافياً بستة آلاف جنيه، يصبح المجموع 20 ألف جنيه.
ولنترك تلك الحسبة وننظر إلى أنفسنا، ستجد أن كل فرد منا يحتاج إلى ضعف ذلك الرقم مرة واثنين وأكثر لكي يعيش شهرياً، والمرتبات لا تصل لتلك الأرقام. فكيف نعيش، أو بالأصح إحنا إزاي عايشين؟!
وهنا وجدت يدي تقتل السيجارة المشتعلة وأنا أردد “فعلاً التفكير مضر بالصحة أكثر من التدخين، والحمد لله!”.
موضوعات ذات صلة
أحمد النبوي يكتب لـ «30 يوم»: محاكم التفتيش من صلاح لفيديو السقا




