الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: السير عكس الاتجاه
في زحام شوارعنا اليومية، وبين صخب المدن وحركة المرور المتدفقة، تبرز ظاهرة خطيرة تهدد حياة الآلاف من مستخدمي الطريق، ظاهرة باتت تتكرر بشكل مخيف ومثير للقلق، إنها ظاهرة “السير عكس الاتجاه”، ذلك السلوك القاتل الذي يحول الطرق إلى ساحات موت محتملة في كل لحظة.
سلوك قاتل يستوجب المواجهة
لم تعد هذه الظاهرة مجرد مخالفة مرورية عابرة، بل أصبحت سلوكاً مجتمعياً سلبياً يتطلب تصدياً حازماً من المجتمع بكل مؤسساته. فكم من حادث مروع وقع بسبب سائق قرر أن يسير عكس الاتجاه؟ وكم من أسرة فقدت عزيزاً لها بسبب هذا التهور؟ الأرقام مفزعة، والحوادث تتكرر، والضحايا يتزايدون، بينما لا نزال نتعامل مع الأمر بشكل روتيني لا يرقى إلى حجم الكارثة.
ضرورة دراسة الأسباب الجذرية
قبل أن نسارع إلى إصدار الأحكام أو فرض العقوبات، علينا أن نتوقف قليلاً لندرس هذه الظاهرة بعمق وموضوعية. لماذا يلجأ البعض إلى السير عكس الاتجاه؟ هل السبب يكمن في غياب الدورانات والمسارات البديلة في بعض المناطق؟ أم أن هناك طرقاً غير مرصوفة تدفع السائقين لاختيار المسار الأسهل ولو كان عكس الاتجاه؟
ربما يكون السبب رغبة في اختصار الوقت في ظل الضغوط الحياتية المتزايدة، أو محاولة لتوفير الوقود في ظل الأعباء الاقتصادية التي يعاني منها الكثيرون. هذه الأسباب لا تبرر السلوك الخاطئ بالطبع، لكنها تساعدنا على فهم الدوافع ووضع حلول شاملة تعالج الجذور لا الأعراض فقط.
البنية التحتية والتخطيط العمراني
من الضروري أن تقوم الجهات المعنية بدراسة ميدانية شاملة للأماكن التي تكثر فيها حوادث السير عكس الاتجاه. هل تفتقر هذه المناطق إلى دورانات كافية؟ هل توجد طرق غير مرصوفة تجبر السائقين على سلوك مسارات خطرة؟ إن تحسين البنية التحتية وتوفير بدائل آمنة ومريحة قد يكون الحل الأمثل للحد من هذه الظاهرة.
عقوبات ذكية… نحو مفهوم جديد للردع
العقوبات التقليدية كالسجن أو سحب رخصة القيادة لم تعد كافية لردع هذا السلوك الخطير. نحن بحاجة إلى عقوبات ذكية وخلاقة تحقق أهدافاً متعددة في آن واحد. لماذا لا نفكر في معاقبة المخالفين بإلزامهم بدهان الأرصفة أو زراعة جزر الطرق الوسطى وتجميل الشوارع ويرتدي ملابس مكتوب عليها سائق عكس الاتجاه
هذه العقوبات البديلة تحقق عدة فوائد: فهي من جهة تمثل عقوبة رادعة للمخالف الذي سيبذل جهداً بدنياً ملموساً، ومن جهة أخرى تساهم في تحسين البيئة المرورية والحضرية.
إلزام المخالف بتحمل تكلفة هذه الأعمال المجتمعية يضيف بعداً آخر للعقوبة، حيث سيشعر بالعبء المادي الذي تسببه مخالفته، بالإضافة إلى العبء الأدبي والاجتماعي عندما يراه الآخرون وهو يقوم بهذه الأعمال كعقوبة لتهوره.
مسؤولية مشتركة
إن مواجهة ظاهرة السير عكس الاتجاه ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين المواطن والمؤسسات الحكومية ووسائل الإعلام والمجتمع المدني. نحتاج إلى حملات توعية مستمرة تشرح خطورة هذا السلوك وتبرز قصص الضحايا الحقيقية. نحتاج إلى تشديد الرقابة وتطبيق القانون بحزم وعدالة. ونحتاج أيضاً إلى تطوير البنية التحتية بما يلبي احتياجات المواطنين ويقلل من الدوافع التي قد تؤدي إلى هذا السلوك الخطير.
جريمة ضد المجتمع
السير عكس الاتجاه ليس مجرد مخالفة مرورية، إنه تهديد حقيقي لحياة الآلاف من الأبرياء على طرقاتنا. لقد آن الأوان لأن نتعامل مع هذه الظاهرة بجدية وحزم، بدراسة أسبابها ومعالجة جذورها وتطبيق عقوبات رادعة وذكية تحقق الردع والإصلاح معاً. إن سلامة مواطنينا على الطرق هي مسؤولية وطنية لا يجوز التهاون فيها، ولن نستطيع بناء مستقبل آمن ومزدهر ما لم نضع سلامة الإنسان في صدارة أولوياتنا.
فلنجعل من شوارعنا مكاناً آمناً للجميع، ولنتكاتف جميعاً من أجل القضاء على هذه الظاهرة الخطيرة قبل أن تحصد المزيد من الأرواح البريئة.
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.
اقرأ أيضا




