خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: منزل إمبابة والفراغ الرسمي المخزي
لم يكن انهيار منزل بمنطقة الهنيدى فى إمبابة مجرد حادث عابر يُضاف إلى سجل الكوارث، بل كان فاجعة إنسانية مكتملة الأركان، سقط فيها ما يقرب من 26 مواطنًا بين قتيل ومصاب، ووجدت عشرات الأسر نفسها فجأة بلا مأوى، بلا أمان، بعد إخلاء عدد المنازل المجاورة للعقار المنكوب وبلا أى إجابة واضحة من الدولة.
البيت لم ينهَر وحده، بل انهارت معه أوهام الحماية، وانهار الإحساس بأن هناك جهة تشعر بالمواطن حين يصبح فى العراء.
المشهد فى إمبابة قاسٍ وصادم: أسر شُرّدت، منازل أُخليت، ومواطنون تُركوا فى الشوارع يواجهون برد الشتاء القارس، بعضهم احتمى بخيام بدائية، وآخرون لجأوا إلى المساجد طلبًا للدفء والأمان. لا خدمات، لا حلول، ولا حتى كلمة تطمئن القلوب.
وفى الوقت الذى كان فيه المواطنون يواجهون مصيرهم وحدهم، التزم محافظ الجيزة الصمت التام، وكأن المأساة وقعت فى مكان آخر لا يدخل ضمن نطاق مسئوليته. وهنا يبرز السؤال الجوهري
أليس المحافظ هو المسئول التنفيذى الأول عن توفير سكن بديل للمتضررين؟
أليس هو أعلى سلطة تنفيذية فى الجيزة؟
تخيلوا أن هناك حلولًا ومقترحات ولكنها لم تأتِ من مؤسسات الدولة، بل من ضمير الناس. بعض النواب ورجال الأعمال الميسورون من الأهالى قرروا التبرع من جيوبهم، واستئجار شقق لإيواء المتضررين، فى مشهد إنسانى نبيل، لكنه فى الوقت نفسه يكشف فراغًا رسميًا مخزيًا. فهل أصبح التكافل الشعبى بديلًا عن واجب الحكومة؟
التاريخ لا ينسى. بعد زلزال 1992، ورغم ضعف الإمكانات آنذاك، تحركت الدولة بسرعة، وتم توفير شقق بديلة للمتضررين، ولم يُترك المواطن لينام فى الشارع أو المسجد، فما الذى تغيّر اليوم؟
هل تقلصت موارد الدولة؟ أم تقلصت القلوب؟
الأدهى أن الحلول موجودة، لكنها غائبة عن الإرادة. هناك آلاف الشقق الخالية فى مساكن أرض مطار إمبابة، وفى مدينة السادس من أكتوبر، وفى مدن جديدة أُنشئت خصيصًا لاستيعاب المواطنين. هذه الوحدات يمكن– وبقرار واحد– أن تصبح ملاذًا آمنًا لأسر فقدت كل شيء.
القضية هنا ليست إسكانًا فقط، بل كرامة إنسان، ليست أرقامًا فى تقرير، بل أرواح تُقاس بالدفء والأمان.
السؤال الذى يفرض نفسه بقسوة:
هل كانت أفئدة المسئولين فى زمن مضى أكثر رحمة بالمواطن؟ أم أن الإنسان أصبح اليوم آخر بند فى جدول الأولويات؟
إن ما حدث فى إمبابة اختبار حقيقى لجوهر الدولة، لا لشعاراتها. فالدولة تُقاس فى لحظات الشدة، لا فى أوقات الرخاء. وإذا كان المواطن يُترك وحيدًا عند الكارثة، فمتى إذن يتجلى دور الحكومة؟
ما جرى ليس قدرًا، بل تقصير يجب تداركه أنها استغاثة لكل مسئول لديه ضمير أن يتحرك من واقع مسئوليته لإغاثة مواطنين أُضيروا فى كارثة قدرية وإلا فليتنحى ويترك منصبه للقادرين على إدارة الأزمات واتخاذ القرار.
Khalededrees2020@gmail.com
اقرأ أيضا
خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: ظل الإمام نور في زمن العتمة




