الأديبة السورية هيام سلوم تكتب لـ «30 يوم» :عندما يصبح قلمك جزاءً من هويتك
هناك لحظات في حياة الإنسان، لا تُشبه ما قبلها ولا ما بعدها؛ لحظات تقف بين زمنين، كجسرٍ دقيق مرّت فوقه الروح وهي تحمل حقيبة صغيرة، ثم ما إن تصل إلى الجهة الأخرى حتى تدرك أنها لم تعد الشخص نفسه. وما أزال أذكر تلك الليلة الشتوية التي كانت بالنسبة لي المفصل الأول الذي أدركت عنده أن قلمي لم يعد مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبح جزءًا من هويتي، بل لعلّي أقول — دون مبالغة — أنني في تلك الليلة ولدتُ من جديد، ولدتُ عبر الحرف كما يُولد الطين حين تلمسه يد الخالق.
كان الليل باردًا حدّ أن النفس نفسها كانت تتكوّر في الصدر لتتدفأ. جلستُ قرب المدفأة، أقابل وهج النار الذي يشبه وهج الأفكار حين تندفع دون استئذان. كانت غرفة الجلوس تغفو تحت ضوء مصباح أصفر خافت، وكان السكون يهيمن على المكان إلا من صوت الخشب وهو يشتعل في المدفأة، صوت يشبه دقات قلبٍ يضطرب من شدّة الحياة التي تعتمل فيه.
كنتُ أكتب مذكّرات يوم حافل بالحركة، يوم عشت فيه كثيرًا من التفاصيل الصغيرة التي قلت لنفسي إنها تستحق أن تحفظ في دفاتري. ولطالما كانت المفكرة بالنسبة لي ليست مجرد أوراق، بل كانت صندوقًا صغيرًا أضع فيه نفسي، أخبئ فيه ما لا أبوح به لأحد، أضع فيه أسئلتي، دهشتي، غضبي الحالم، لحظات ضعفي، وانتصاراتي الصغيرة التي لا يلاحظها أحد.
وبينما كنتُ أخطّ ما تبقى من ذلك اليوم، غفوتُ لدقيقة قصيرة — ربما — أو لثانية واحدة دون أن أشعر. وفي تلك اللحظة، انزلقت المفكرة من بين يدي كما تنزلق ورقة شجر يابسة من غصنٍ أتعبه الخريف، وسقطت مباشرة فوق المدفأة المشتعلة.
لم يكن السقوط مجرد حادث عابر؛ كان سقوطًا يشبه طعنة في القلب. سقطت المفكرة، لكنني شعرت يومها أنها أنا التي سقطت. لم أستيقظ فورًا، لكنني سمعت بعد ثوانٍ قليلة ارتجاف النار، صوتًا مختلفًا، وكأن النار قد فاجأها دخول غريب إليها. ثم جاء الدخان يتسلل بخفة، كأنه يريد أن يدقّ باب الوعي دون أن يزعج أحدًا.
أمي — التي كان قلبها دائمًا معلّقًا عليّ — استيقظت قبل أن يحترق البيت، وقبل أن تحترق الطفلة التي كانت تحتضن كلماتها. كان ذلك من لطف الله، من رحمته التي تأتي بلا توقيت محسوب، من تلك اللمسات الخفية التي تُنقذنا دون أن نطلب.
سارعت أمي إلى المدفأة، رفعت المفكرة المشتعلة، أطفأت النار… وأنقذت ما تبقّى منّي.
حين فتحتُ عيني رأيت الدخان يعلو كالضباب، ورأيت بقايا أوراقي وقد احترق نصفها. لم أستطع الكلام. شعرت وكأن مشهدًا من عمري قد احترق، وكأن طفولتي فقدت جزءًا من ذاكرتها. انهمر الدمع من عينيّ بلا إرادة. بكيت كما لم أبكِ من قبل… بكيت بحرقة.
كنتُ أشعر أنني فقدت شيئًا لا يُعوّض، شيئًا لم يكن مجرد ذكرى مكتوبة، بل كان تاريخًا صغيرًا صنعته بيدي يومًا بعد يوم.
في تلك اللحظة بالذات — تلك اللحظة التي اجتمع فيها البكاء، ورائحة الورق المحترق، ولهيب النار الذي لم يلمس جلدي ولكنه لامس أعماقي — عرفت أن الكتابة ليست هواية. ليست تسلية.
ليست فعلًا عابرًا أقوم به حين يتوفّر وقت.
في تلك اللحظة اكتشفت أن الكتابة جزء مني بل أدركت أنها أنا.
أدركت أن الكلمة التي أخطها بيدي ليست مجرد حبر، بل هي خلايا حية تخرج من داخلي، وأن الورقة ليست مجرد مساحة فارغة، بل هي مرآة أرى فيها ما لا يراه أحد.
شعرتُ يومها — لأول مرة — بأن المفكرة لم تكن دفترًا، بل كانت هويتي كانت امتدادًا لروحي، كانت شريانًا من شرايين قلبي، كانت تلك اليد التي أمدّها إلى نفسي لأعرف من أكون.
ومنذ تلك الليلة، صار بيني وبين الكتابة نوع من الذوبان، حالة صوفية عميقة تشبه الفناء.
لم أعد أفرق بيني وبين اللحظة التي أكتب فيها.
لم أعد أرى القلم كأداة لها بداية ونهاية، بل رأيته امتدادًا لوعيي، جزءًا من كياني، كأنني لو فقدته لانقطع جزء من صوتي .
لم أعد أكتب لأصف يومًا ولا لأحتفظ بذكرى فحسب، بل كنت — دون أن أشعر — أخطّ ملامح عالمي الذي أريده عالم واسع، مريح، يشبه ممرًا مضيئًا أمشي فيه دون خوف.
ولم تكن الكتابة عندي فنًّا فقط، بل كانت محاكمة داخلية، محكمة هادئة أجلس فيها أمام ضميري، أعاتبه ويعاتبني، أكاشفه ويكاشفني، قبل أن يحاكمني أبي أو أمي أو المجتمع.
كنت أكتب لأرى ما في داخلي، لأفتح نافذة على ذاتٍ ربما لم يكن سواي يراها.
ومع الزمن — ومع تلك التجارب الصغيرة التي صنعتني — صار قلمي جسرًا يمتد بين عالم أعيشه وعالم آخر لم أكن أعرفه إلا وأنا أكتب.
عالم غامض، عميق، واسع، كنت أدخله كلما وضعت النقطة الأخيرة في جملة جديدة، صرت كلما كتبت سطرًا أشعر أنني أقترب خطوة من ذاتي، ومن حقيقتي.
صارت كتابتي مثل بيتٍ أسكنه، بيت لا ينهار، ولا يتغير شكله، ولا يفقد أحدًا من سكانه.
كل ما أخطه أصبح وطنًا صغيرًا في داخلي، وطنًا يبقى حتى حين يرحل الجميع.
لقد صارت هويتي لا تُعرَف بملامح وجهي، ولا بصوتي، ولا حتى بما أرتديه، بل صارت تُعرَف من حبر يعانق الورق، من جملة تولد فجأة عند الفجر، من كلمة تربت على كتفي حين أتعب.
لقد صارت الكتابة بالنسبة لي عملية خلق، خلق للذات، خلق للروح، خلق أن أكون ما أريد لا ما يريد الآخرون.
صارت الكتابة طريقتي لأولد من جديد في كل جملة، ولأعود إلى نفسي في كل صفحة.
وفي لحظة لقاء المصير تلك بين احتراق المفكرة ودموعي التي لم أستطع إيقافها أدركت الحقيقة الكبرى أن الإنسان لا يكتب ليعبّر عن نفسه فقط بل يكتب ليكون هو نفسه.
ذاك هو اليوم تلك هي اللحظة، التي شعرت فيها أن قلمي لم يعد شيئًا خارجًا عني، بل أصبح جزءًا من بصمتي، من روحي، من اسمي ،من هويتي التي لا تنطفئ.
اقرأ أيضا
الأديبة السورية هيام سلوم تكتب لـ «30 يوم» : البذرة الأولى في طريق الكتابة




